العربیةالمقالات

الأخلاق فی الإسلام ، الاخلاق فی القران و السنه و…

الأخلاق فی الإسلام ، الاخلاق فی القران و السنه و…

حمزه خان بیگی

الإسلام دين الأخلاق الحميدة، دعا إليها، وحرص على تربية نفوس المسلمين عليها. وقد مدح الله تعالى نبيه، فقال: «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم/4)

إن الأخلاق في الإسلام لا تقوم على نظريات مذهبية ، ولا مصالح فردية ، ولا عوامل بيئية تتبدل وتتلون تبعا لها ، وإنما هي فيض من ينبوع الإيمان يشع نورها داخل النفس وخارجها، فليس الأخلاق فضائل منفصلة ، وإنما هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة ، عقيدته أخلاق ، وشريعته أخلاق ، لا يخرق المسلم إحداها إلا أحدث خرقا في إيمانه .

يقول الرسول (ص) : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن » وسئل صلى الله عليه وسلم : « أيكذب المؤمن ؟ قال : (لا) ثم تلا قوله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ }» فالأخلاق دليل الإسلام وترجمته العملية ، وكلما كان الإيمان قويا أثمر خلقا قويا .

للأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافق لما هو مستقر في نفسه من معان وصفات، وما أصدق كلمة الإمام الغزالي إذ يقول في إحيائه « فان كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة.»

وقد أحسن الشاعر إذ يقول:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فأفعال الإنسان، إذن موصولة دائما بما في نفسه من معان وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب. ومعنى ذلك أن صلاح أفعال الانسان بصلاح أخلاقه، لأن الفرع بأصله، إذا صلح الاصل صلح الفرع، وإذا فسد الأصل فسد الفرع .

« والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً» (الاعراف/58)

ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون بإصلاح النفوس وتزكيتها وغرس معاني الأخلاق الجيدة فيها ولهذا أكد الإسلام على صلاح النفوس وبين أن تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعزّ وذلّ كل ذلك ونحوه تبعٌ لتغيير ما بأنفسهم من معان وصفات، قال تعالى:

«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»

التعريف بالأخلاق لغة و إصطلاحاً

لغة:

الأخلاق فى اللغة جمع خُلُق، والخُلُق: هو السجية والطبع، والمروءة، والدين.(القاموس المحيط، ص137، والمصباح المنير،ج1،ص180)

والخُلُق مأخوذ من مادة : ( خ ل ق ) التى تدل على تقدير الشئ .

يقول ابن فارس : ومن هذا المعنى ـ أى تقدير الشئ ـ الخلق : هو السجية لأن صاحبه قد قُدِّر عليه . يقال : فلان خليق بكذا : أى قادر عليه وجدير به ، وأخلق بكذا أى ما أخلقه ، والمعنى هو ممن يقدر فيه ذلك ، والخلاق : النصيب لأنه قد قدر لكل أحد نصيبه .(مقاييس اللغة ، أحمد ابن فارس،ج2،ص214؛ دار الجيل ، بيروت ط1 بدون (ت))

وقال الراغب الأصفهانى : الخَلْقُ والخُلُق فى الأصل واحد لكن خص الخَلْقُ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخُص الخُلُقُ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة . (المفردات فى غريب القرآن ، الراغب الأصفهانى صـ164 ، المكتبة التوفيقية ،بدون تاريخ )

وقال الماوردى : فى الخلق العظيم ثلاثة أوجه : أحدها : أدب القرآن ، والثانى : دين الإسلام ، والثالث : الطبع الكريم وهو الظاهر . قال : وحقيقة الخُلُق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب ، سمى بذلك لأنه يصير كالخِلْقة فيه .» (تفسير الماوردى ( النكت والعيون ) أبو الحسن البصرى الماوردى (6/61ـ62) ، دار الكتب العلمية .)

وقال ابن منظور :« الخُلُق هو الدين والطبع والسجية ، وحقيقته : أن صورة الإنسان الباطنة -وهي نفسه- وأوصافها ومعانيها المختصة بها ، بمنزلة الخُلُق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها» .( لسان العرب،ج10،ص86)

وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي: نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة: الخَلْق لصورته الظاهرة، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة.(غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ج2،ص70)

فالخلق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة، وجمعه:أخلاق. والأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح . (المعجم الوسيط،ج1،ص445)

وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول:ما يكون طبيعياً من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.

القسم الثاني: ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر ثم يستمر عليه حتى يكون ملكةً وخلقاً.(مقدمة في علم الأخلاق، د/ محمود حمدي زقزوق، ص39)

أما السلوك: فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيّئ السلوك.(المعجم الوسيط، 1/252)

والسلوك: عمل إراديٌّ، كقول: الكذب، والصدق، والبخل، والكرم ونحو ذلك.

اصطلاحاً:

قال الجرجانى : « الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة يصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية ، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سميت الهيئة : خُلقاً حسناً ، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سُمَّيت الهيئة التى هى مصدر ذلك خلقاً سيئاً ، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك فى نفسه » (التعريفات للجرجانى صـ104 ، مكتبة القرآن بدون تاريخ)

ويذهب الجاحظ إلى « أن الخلق هو حال النفس ، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار ، والخلق قد يكون فى بعض الناس غريزة وطبعاً ، وفى بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد ، كالسخاء قد يوجد فى كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمل ، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة » (تهذيب الأخلاق ، للجاحظ صـ12 ، دار الصحابة للتراث ط1 1410 هـ / 1989 م)

أما الماوردى فقال :« الأخلاق غرائز كامنة ، تظهر بالاختيار ، وتقهر بالاضطرار » (تسهيل النظر وتعجيل الظفر ، الماوردى ، تحقيق رضوان السيد ، صـ5 ، دار العلوم العربية للنشر ط1 1987 م)

قال ابن القيم : ” الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة ، وإرادات زاكية ، وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، والأعمال عن تلك العلوم والإرادات، فتكتسب النفس بها أخلاقاً، هى أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها”.( بدائع التفسير،ج4،ص 509)

عناية الإسلام بالأخلاق

الإسلام دين شامل يجمع بين مناحي الحياة كلها، لا يفصل بين الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي أو التعبدي، وإن أمة تضخم فيها الجانب التعبدي علي الجانب الأخلاقي فإنها أمة هالكة لا تقوم لها قائمة، إن الإسلام ليس عقيدة فحسب وإنما العقيدة في الإسلام كالقلب من الجسد، لا يستطيع القلب أن يحيا بدون الأعضاء، كذلك الإسلام لا يحيا بدون العقيدة، لكن الإسلام يحتاج إلي فهم عميق و فقه دقيق .

وتظهر أهمية الأخلاق أيضا من ناحية أخرى، ذلك أن الإنسان قبل أن يفعل شيئا أو يتركه يقوم بعملية وزن وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه؛ فإذا ظهر الفعل أو الترك مرضيا مقبولا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاه إليه ثم إقدام عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته وأحجمت عنه تركا كان أو فعلا. إن عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جداً وغير محسوس بها إلى درجة أن الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون روية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتم عملية الوزن والتقييم إلا بعد تأمل ومضي وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية فيقع الإنسان في التردد بين الفعل والترك. ولكن في جميع الأحوال لا بدّ من عملية الوزن والتقييم لكل فعل أو ترك بلا استثناء ،أو وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده، ومدى التزام الإنسان بمقتضاه، وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحمل�