رسالة المرشد العام إلى المسلمين جميعًا بمنا
رسالة المرشد العام إلى المسلمين جميعًا بمناسبة شهر رمضان المبارك
المرشد العام يخاطب الحضور أثناء حفل إفطار الإخوان
الإخوة المسلمون..
تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمدُ اللهَ تعالى، واسعَ العفو، غزيرَ الإحسان، وأصلِّي وأسلمُ على رسوله الأكرمِ، ورحمتِه للعالمين، وختامِه للرسالات والنبيِّين، وعلى آلِه وصحبِه والتابعين، وبعد..
فيسعدُني أن أتقدمَ بخالصِ التهنئةِ لكم جميعًا بالشهرِ الكريمِ، شهرِ رمضانَ، الذي أُنزل فيه القرآنُ، هدًى للناسِ، وبدأت به الرسالةُ العامةُ الكاملةُ الخاتمةُ من اللهِ ربِّ العالمين للبشرِ كافةً، في كلِّ الأصقاعِ والبقاع، ولكلِّ الأممِ والأجيالِ ما بقيت على ظهرِ هذه الأرض حياةٌ.
لقد اقتضت حكمةُ الله ورحمتُه أن تتصل السماءُ بالأرض، وأن يتنزَّل الوحيُ بالهدايةِ والمنهاجِ؛ ليسعدَ الناسُ في الدنيا والآخرة.. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: من الآيتين 15-16).
لذلك جعل الله تعالى هذا الشهرَ ظرفًا لفريضةِ الصيامِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 183).. الصيامِ عن ضروراتِ الحياةِ وشهواتِها المباحةِ، ومن باب أولى عن المعاصي والشهواتِ المحرَّمةِ، ماديةً كانت أو معنويةً؛ لتهذيبِ النفسِ، وتقويةِ العزيمةِ، وشحذِ الإرادةِ؛ ليكون المسلمُ سيدَ نفسِه، ومن ثمَّ سيدَ الكون، كما أراده اللهُ، يعمُره بالخيرِ، ويتصدَّى للشرِّ، كما شرع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قيامَ الليل في الصلاة، والتهجدَ، والذكرَ، وتلاوةَ القرآن، وشرَعَ زكاةَ الفطر، وكما كرَّم الله تعالى هذا الشهرَ لنزول القرآن فيه، فقد رفعَ قدرَ الليلةِ التي بدأ نزولُ الوحيِ فيها أيَّما رفعةٍ، وجعلها خيرًا من ألفِ شهرٍ، فهلاَّ استوعبْنا الدرسَ، وقدرْنا القرآن قدرَه، واتخذناه لنا إمامًا ونبراسًا ومنهاجًا، ولم نقفْ عند حدِّ القراءةِ والتبرُّكِ فحسب.
أيها الإخوة المسلمون الكرام..
إنني أسعدُ كلَّ السعادةِ حينما أرَى إقبالَ المسلمين على الطاعاتِ، والمنافسةِ في الخيراتِ، ولكني أشعرُ أن هذه المسارعةَ إنما تبتغي الخلاصَ الفرديَّ أو الشخصيَّ دون كبيرِ اكتراثٍ بهمومِ الأمةِ وأزماتِ العالمِ.. إنني حين أتلفَّت حولي فأرى أمتَنا- المفروضُ فيها أنها خيرُ أمةٍ أخرجت للناس، تأمرُ بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمنُ بالله- أراها تتقاتلُ بلا عقلٍ ولا ضميرٍ، تسيل فيها الدماءُ أنهارًا، تحكمُها مجموعاتٌ من المستبدِّين بالحديدِ والنارِ، تصادِرُ الحرياتُ، وتستبيحُ الحرمات، وتزوِّر الانتخاباتِ، وتملأُ السجونَ بالمخلصين والمصلحين، وتعذِّب الأبرياءَ، وتحتقرُ القانونَ، وتتلاعب بالقضاءِ، وتكمِّمُ الأفواهَ، وتنهبُ الثرواتِ، وتقرِّب المفسدين، حتى سقطت غالبيةُ الشعوبِ في هوَّةِ الفقرِ والعوزِ والبطالةِ والمرضِ؛ حتى وصلت دولنا- للأسف الشديد- إلى مؤخرةِ الدولِ المتخلِّفةِ في مجالاتِ الحريةِ، وحقوقِ الإنسانِ، واحترامِ القانونِ والشفافيةِ، والعلمِ والجامعاتِ والاختراعِ، والتنميةِ والصحةِ، والاستثمارِ، حتى غدا زمامُ قراراتها في أيدي أعدائها، يسوقونها إلى حيث يريدون، على حساب أمنِها وشعوبِها ومقدساتِها وثرواتِها واستقلالِها واستقرارِها وتقدمِها.
وهذا يدلُّ على أننا فقدنا البوصلةَ، وجهلنا حقيقةَ دورِنا ورسالتِنا في هذه الحياة، المتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143) وقوله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:108) فالدعوةُ إلى اللهِ والشهادةِ على الناسِ بلسانِ الحالِ (الواقع) المُشَخِّصِ لحقيقةِ الإسلامِ والمجسِّمِ لحضارتِه التي عاشت البشريةُ في ظلالِها قرونًا عديدةً؛ هما الواجبان المفروضان لردِّ المسلمين إلى صحيحِ دينِهم وهدايةِ البشريةِ إلى طريقِ السعادةِ والسلامِ، فلم تكن البشريةُ أحوجَ إلى الإسلام منها في هذا الوقت.
إننا نعيش في ظل هيمنة الحضارة الغربية التي قامت على استعمار الدول وإذلال الشعوب واستنزاف الثروات، والتي أبادت أممًا وشعوبًا من على وجه الأرض، وقتلت ما يزيدُ على سبعين مليونًا من البشرِ في حربيْن عالميتيْن غير الجرحى، واستخدمت القنابلَ النوويةَ على اليابانِ بلا مبرِّرٍ، وقتلت الملايينَ في فيتنام والعراقِ وأفغانستانَ، ولا تزال تنشرُ القلاقلَ والفتنَ في أنحاءِ الأرضِ؛ لإشباع الجشعِ الماديِّ والرغبةِ في السيطرةِ والتسلطِ.
إن هذه الحضارةَ تبدو كعملاقٍ ضخمٍ في مجالِ التقدمِ الماديٍّ، وقزمٍ ضئيلٍ في مجالِ القيمِ والأخلاقِ، ولذلك ما إن انهار الاتحادُ السوفيتيُّ حتى ظهرت نظرياتُ معاداةِ الإسلامِ وصراعِ الحضاراتِ ونهايةِ التاريخِ، وما درَوا أن الإسلامَ الذي يعادونه ويحاربونه هو خلاصُهم ونجاتُهم من وهدةِ الطينِ وظلامِ المادةِ الذي يعيشون فيه.
قد يتساءل كثيرون: هل للإسلامِ طاقةٌ بالتصدِّي لهم، فضلاً عن اجتذابِهم، وأقول بكل الثقةِ: إن الإسلامَ تصدَّى لمحنٍ قاسيةٍ، تصدَّى للتتارِ وانهزمَ المسلمون أمامَهم، وانتهى الأمرُ بدخولِ المنتصرين في دينِ المغلوبين؛ لِمَا رأوه فيه من رقيٍّ وكمالٍ، وكانت هذه أولَ مرةٍ في التاريخِ.
ونحن إن لم نملكْ جزءًا ضئيلاً من القوةِ الماديةِ التي يملكون؛ فإننا نملكُ رسالةَ اللهِ للعالمين.. نملكُ رصيدَ الفطرةِ المكنونَ في نفوسِ البشرِ أجمعين، نملكُ الإيمانَ والقيمَ والمبادئَ والأخلاقَ التي يحتاجها الناسُ.
أيها المسلمون الكرام..
لا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ولو كنتم ضعفاءَ وفقراءَ؛ شريطةَ أن تعرفوا قيمةَ ما تملكون، وأن تعتزُّوا به، وأن تعملوا وأن تدْعُوا له.
إنكم تملكون عقيدةً في الله جاءت بها كلُّ الرسلِ.. أرقى عقيدة عرفها البشر، تقوم على التوحيدِ الخالصِ الذي لا تشوبه شائبةُ شرك قط.. اللهُ فيها هو الخالقُ البارئُ المصوِّرُ، الرازقُ الحكيمُ الخبيرُ، الرحمنُ الرحيمُ، هو الكمالُ والجلالُ المطلقُ، صاحبُ العزة والجمال، مالكُ الملكِ ربُّ العالمين، وتؤمنون بالأنبياء جميعًا، لا تفرقون بين أحدٍ منهم؛ باعتبارهم قمةَ الكمالِ البشريِّ وتنزِّهونهم عن كل نقصٍ وخطيئةٍ نُ�