معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> القدوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في الدعوة

القدوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في الدعوة

القدوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في الدعوة
بقلم: د. أحمد عبد الهادي شاهين
القدوة في الدعوة والتربية هي أفعل الوسائل جميعًا، وأقربها إلى النجاح، وإن مبادئ الإسلام تحظى بالقبول حينما يمتثلها الداعي قبل المدعويين، وهكذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صورةً حيةً لتعاليم الإسلام السامية في كل شيء، رأَى الناس فيه الإسلام رأْيَ العين، فهو أعظم قدوةً في تاريخ البشرية كلها، ولقد تحركت نفوس الناس بقدر وسعها نحو التطبيق والعمل، يقتبسون من نوره ويتعلمون من آدابه.
ومن أبرز الأمثلة على القدوة في شخص رسولنا- صلى الله عليه وسلم- ما كان عليه من أخلاق قبل البعثة، حيث كان يعرف قبل الرسالة بالصادق الأمين، وما جرَّب قومه عليه كذبًا قط، ولقد شهدت له زوجته وهي ألصق الناس به، وأكثرهم وقوفًا على أفعاله في بيته، بأنه صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القران"، "وكان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض".
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمرَ بشيءٍ أو نادى به فعله أولاً قبل الناس، ليتأسوا به ويعملوا كما عمل، وفي السيرة النبوية شواهد على ذلك كثيرة، منها:
أنه لما تم صلح الحديبية بين المسلمين وقريش ونصوا في بنودها أن يرجع المسلمون هذا العام بلا أداء العمرة ويعودوا في العام القادم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا الهدي ويتحللوا من إحرامهم فقال: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فتكاسل الصحابة حيث إن الشروط كانت جائرةً على المسلمين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على السيدة أم سلمة مغضبًا، وأخبرها بتخلف الناس عن أمره، فأشارت عليه صلى الله عليه وسلم بأن يُسرع في التنفيذ أمامهم، فقام صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه، ونحر هديه، وتسابق الصحابة في التطبيق حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا من شدة الزحام.
ومن أبرز الأمثلة في السيرة النبوية الشريفة أيضًا على كونه- صلى الله عليه وسلم- كان يبدأ بنفسه قبل الناس ليقتدي الناس به، موقفه في بناء المسجد؛ حيث كان يشارك الصحابة في الحفر ونقل التراب، ورفع البناء، وكانوا يرتكزون أثناء عملهم بقولهم:
 
لئن قعدنا والرسول يعملُ     لذاك منا العمل المضللُ
وشاركهم صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق حول المدينة، عندما سمع بقدوم الأحزاب لاستئصال شأفة المسلمين في المدينة، وكان له قسم مثلهم يباشر الحفر معهم بيده، ويحمل التراب على كتفه، وإذا استعصت عليهم مشكلة سارعوا إليه صلى الله عليه وسلم يلتمسون منه حلاًّ لها بمعوله، فكان هذا كله دافعًا للصحابة على العمل، ومقويًّا لهممهم وعزائمهم، فلم يكسلوا أو يتوانوا؛ حيث يرون قائدهم ورسولهم معهم في خندقٍ واحد، يعمل كما يعملون، ويأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وينام على مثل ما ينامون، وما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا.. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).
وهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل- صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين-، ولهذا قال الله تعالى للذين تضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم. (تفسير ابن كثير 3/406 ط/دار القلم /بيروت لبنان الثانية).
 
 شهادة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم
ولقد شهد الله سبحانه وتعالى له بالأخلاق العظيمة في كل الأمور في حياته صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، من أجل ذلك ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية كلها بأنه القدوة الحسنة، والأسوة الطيبة في كل ما يصدر عنه من أقوالٍ وأفعال.
قال الإمام الشاطبى: "وإنما كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن لأنه حكَّم الوحي على نفسه حتى صار في عمله وعلمه على وفقه، فكان للوحي موافقًا قائلاً مذعنًا ملبيًا واقفًا عند حكمه".
وهذه الخاصة كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به، إذ قد جاهر بالأمر وهو مؤتمر، وبالنهي وهو منتهٍ، وبالوعظ وهو متَّعظ، وبالتخويف وهو أول الخائفين، وبالترجية وهو سائق دابة الراجين، وحقيقة ذلك كله جعلُهُ الشريعةَ المنزلة عليه حجةً حاكمة عليه، ودلالة له على الصراط المستقيم الذى سار عليه صلى الله عليه وسلم، ولذلك صار عبد الله حقًّا وهو أشرف اسم تسمى به العباد، قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (الإسراء: من الآية 1)، وقال عز وجل أيضا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (الفرقان: من الآية 1)، وقال أيضًا: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (البقرة: من الآية 23)، وما أشبه ذلك من الآيات التي وقع مدحه فيها بصفة العبودية" (الاعتصام للشاطبي 2/339 /340 أول الفصل الرابع).
 إن العامل الأكبر في انتشار الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح إنما هو القدوة الحسنة والأخلاق الكريمة التي لمسها المدعون في هذا الجيل الفذ من المسلمين، سواء كانت هذه الأخلاق في مجال التجارة من البيع والشراء، مثل الصدق والأمانة أو في مجال الحروب والمعارك، وفي عرض الإسلام عليهم وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، أو في حسن معاملة الأسرى، أو عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان، هذه الأخلاق وغيرها دفعت هؤلاء الناس يفكرون في هذا الدين الجديد الذى يحمله هؤلاء، وغالبًا كان ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في هذا الدين وحب تعاليمه، ومؤاخاة المسلمين الفاتحين في الدين والعقيدة.
 فالقدوة هي أسلوب عملي في الدعوة الإسلامية، وإن شئت فقل هي الدعوة الصامتة التي تفتح القلوب والعقول، وتأثيرها في النفوس أشد من تأثير الخطب والدروس.
 
من فوائد القدوة في مجال الدعوة
إن القدوة الصالحة في مجال الدعوة لها مزايا كثيرة وفوائد متعددة منها: "أنها أوقع في النفس وأفضل عونًا على الفهم والحفظ، وأدعى إلى الاقتداء والتأسي من التعليم بالقول أو البيان، وأن التعليم بالفعل والعمل هو الأسلوب الفطري للتعليم". (الرسول المعلم وأساليبه في التعليم الشيخ/عبد الفتاح أبو غدة صـ65ط/ دار البشائر الإسلامية بيروت لبنان ط/ الثالثة1417هـ، ه1997م).
يقول أ/ محمد قطب: "لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم عجيبة من عجائب الكون، وطاقة كونية صادرة من الله عز وجل، معجزة كآيات الله، عظمات لا تحد، شخوص كثيرة مجتمعة في شخصٍ واحد، كل واحد منها متكامل في ذاته كأنه متخصص في جانبه منقطع له، ثم يجتمع الشخوص كلها- على تكامل كل منها- فتتكامل على نطاق أوسع وتناسق في محيطها الشامل وتتألف منها نفس واحدة، تجمع كل النفوس وتجمعها في توازن واتساق) (منهج التربية الإسلامية محمد قطب ص2/221 ط دار دمشق الثانية .منهج التربية ص2/223).
إن الدعوة الإسلامية في العصر الحاضر تحتاج إلى دعاة متميزين في العلم والأخلاق والعمل؛ حيث إن المهمة شاقة، والعبء ثقيل، والطريق طويلة، والخصوم أكثر من الأنصار، فيستشعر صعوبة المهمة التي يقوم بها، والناس يضعونه تحت المجهر في كل تصرفاته، فلا بد له أن يستعين بالله- عز وجل- حتى يعينه في أن ينتصر على نفسه، فيكون داعيةً بمظهره ومخبره، وحاله ومقاله، وحركته وسكونه، وجمال طلعته، وحسن منطقه، مقتديًا بخاتم النبيين، وإمام المرسلين، ورحمة الله للعالمين.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
———-
* أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر /اخوان انلاین
 

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس