معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> الربانية المعاصرة

الربانية المعاصرة

الربانية المعاصرة

الاستاذ سعيد حوى

          لكي يوجد الرباني فلابد من توافر شروط أربعة:

1-    الذكر، 2- العلم، 3- الأجواء المساعدة، 4- العمل الدعوي والتعليمي.

–          فالذكر لابد منه للوصول إلى مقامات اليقين: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وإلى وراثة الحال النبوي {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21].

–          والعلم شرط الربانية {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. والملاحظ أنه قد أطلقت كلمة الدراسة، وهذا يشير إلى أن دراسات الربانيين كثيرة.

–          والأجواء المساعدة لينمو طالب الربانية علماً وعملاً وحالاً، فمجالسة أهل الذكر ومجالسة أهل العلم ومجالسة أهل الفضل هي التي تنمي عند طالب الربانية الرغبة بالوصول، فما لم ينتقل طالب الربانية من أجواء الغفلة والجهل فإنّ نموه يبقى ضعيفاً، ألا ترى إلى قصة ذلك الذي قتل مائة نفس كيف أمره العالم أن يغادر بيئته، وإلى الحديث الذي رواه مسلم "لو تدومون على ما أنتم عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات ولكن ساعة وساعة… ساعة وساعة… ساعة وساعة…".

–          والعمل الدعوي التعليمي شرط، فالرباني يجب أن يخرج من إطار ذاته إلى الإصلاح، وذلك بالتعليم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتيب هذه المعاني.

ولو أنك تأملت الواقع فإنك نادراً ما تجد توافر هذه الشروط على كمالها وتمامها في تجمع معاصر أو في مؤسسة، فدراسة الربانيين التي يحتاجها العصر نَدَرَ ما تجدها في مؤسسة أو في جماعة أو في فئة. والذكر الجماعي والفردي اليومي والسنوي دون المستوى المطلوب، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، وكانت له قبل النبوة خلواته الطويلة، وبعد النبوة عباداته الكثيرة، وقد دأب على الاعتكاف السنوي وكانت حياته ذكراً وتذكيراً. والأجواء المساعدة قليلة بل الأجواء المعاكسة هي الأصل، فندر ما يحضر الإنسان جلسة فيخرج أكثر إيماناً ويقيناً وخشوعاً ويقظة.

والعمل الدعوة التعليمي ندر من يمارسه من الأفراد، لأنه في الغالب لا يمتلك وسائله ولذلك قلنا: إنه لا بد أن يتمحض عمل لصالح إحياء الربانية على ألا يدخل في خلاف وخصومات مع مسلم أو جماعة إسلامية فذلك طريق الفسوق والضلال لا طريق الربانية، بل الربانيون عليهم أن يصلوا أهل الإيمان، وأن يحبوهم وأن يساعدوهم على الخير وأن يؤلفوا بين القلوب. ولذلك فإننا نرى أنه لابد من تأسيس مجالس الذكر التي تتابع ذكر المنتسبين إليها: ذكرهم اليومي وذكرهم الجماعي وذكرهم الأسبوعي والسنوي. ولابد من تأسيس حلقات طلاب الربانية التي تتابع الأخذ العلمي لطالب الربانية داخلها وخارجها على ضوء برنامج محدد، وعلى هذه الحلقات أن توجه المنتسب نحو القيام بالدعوة والتعليم والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن أجل هذا وذاك لابد أن توجد مؤسسات تتابع هذه الشؤون. وأخطر ما في الأمر هو ثقافة الرباني وسيره الروحي، فهذان يجب أن يُنظما، أما سيره الروحي فينظمه انتظام أوراده اليومية ودخوله الاعتكافات الشهرية أو السنوية أوالعمرية. وأما سيره الثقافي فينبغي أن يتكامل باستيعابه أربع عشرة وحدة دراسية – في اجتهادي – سواء قدمت هذه الوحدات مؤسسات علمية أو حلقات أو جماعات أو جمعيات أو جامعات أو شيوخ والتكامل في ذلك هو الشرط لوجود الربانية المعاصرة. وعلى هذا فإن أي سالك لطريق الربانية أو متصدر لها لا بد أن يزن ثقافته بهذا الميزان وعلى ضوء ذلك يكمل سيره الثقافي أو يبتدؤه.

الوحدة الأولى: دراسة المنهج متمثلاً بدراسة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقواعد المعرفة وضوابط الفهم، دراسة يستوعب فيها القديم والجديد بما يكافئ أوضاع العصر.

الوحدة الثانية: الأصول الثلاثة التي يدخل فيها التعرف على أدلة وجود الله وأدلة رسالة الرسول ومعرفة الإسلام أركاناً وأنظمة ومناهج حياة فهذه معركة عصرنا.

الوحدة الثالثة: معالم الربانية: ثقافتها وأخلاقها على مستوى الأفراد والقادة ولوازم الوضوح والتوضيح فيما يجب عليها أن تفعل ولقد كتبت في ذلك: جند الله ثقافة وأخلاقاً، وفصول في الإمرة والأمير، ومن أجل خطوة إلى الأمام، وكي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر.

الوحدة الرابعة: الفقه عامة والفقه المذهبي خاصة والتعرف على المكتبة الفقهية.

الوحدة الخامسة: أصول الفقه والتعرف على المكتبة الأصولية.

الوحدة السادسة: عقائد أهل السنة والجماعة والتعرف على المكتبة العقائدية.

الوحدة السابعة: تزكية النفس والسلوك وقد كتبت في ذلك: تربيتنا الروحية، المستخلص في تزكية النفس، مذكرات في منازل الصديقين.

الوحدة الثامنة: علوم اللغة العربية والتعرف على مكتبة العربية.

الوحدة التاسعة: السيرة ومختصر التاريخ الإسلامي وتحليل أحداثه ولمحة عن حاضر العالم الإسلامي.

الوحدة العاشرة: علوم القرآن ومن ذلك علم التلاوة وعلم مفردات القرآن.

الوحدة الحادية عشرة: علوم الحديث والتعرف على المكتبة الحديثية.

الوحدة الثانية عشرة: فقه الدعوة المعاصرة ويدخل في ذلك رسائل الأستاذ البنا ومذكراته وكتاب دروس في العمل الإسلامي وكتاب في آفاق التعاليم والمدخل وكتاب: هذه تجربتي وهذه شهادتي، وكتاب فقه التخطيط والتنظيم والتنفيذ.

الوحدة الثالثة عشرة: متابعة المكتبة الإسلامية المعاصرة وما تنشره المجلات والدوريات الإسلامية، فهذا الذي يجعلنا نستوعب عصرنا وآخر المستجدات فيه مما يحتاجه المسلم، فالكتاب الإسلاميون المعاصرون هم الذين يقدمون لك تجربتهم ورؤيتهم وهم الذين يفطنون لاحتياجات العمل الإسلامي المعاصر فيكتبون، والمجلات الإسلامية هي التي تلاحق مجريات الأمور وتعطيك فيه تصوراً ووعياً، وما لا يدرك كله لا يترك جله، إنك تحتاج إلى أن تتعرف أو تطلع أو تراجع ما كتبه أمثال المودودي والندوي والشيخ الغزالي وعمر التلمساني ويوسف القرضاوي والدكتور مصطفى السباعي وسيد قطب ومحمد قطب ومصطفى مشهور وفتحي يكن ويوسف العظم ومحمد أبو فارس وأحمد محمد الراشد وأمثال هؤلاء من كتاب الحركة الإسلامية المعاصرة وأن تطلع باستمرار على أمثال مجلات المجتمع والدعوة والرائد من أجل أن تبقى على صلة بعصرك والاجتهادات فيه وإذا لم يكن إلا التصفح وإذا لم يكن إلا معرفة أهم الأفكار فإنه أفضل من العدم.

الوحدة الرابعة عشر: التعرّف على العلوم المعاصرة.

وبالإمكان إقامة الحجة على ضرورة دراسة كل مادة مما ذكرناه من أجل وجود الرباني الكامل، ولقد قال الله عز وجل {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]. فقد أطلق كلمة الدراسة لأن ما يحتاجه الرباني من دراسات يتجدد ولا يتقيد، فكل قرن له جديده، وكل بيئة لها احتياجاتها ومن خلال استقراء شامل وصلت إلى هذه النتيجة التي ذكرتها. ولعل أهل العلم وخريجي المعاهد والكليات الشرعية هم المؤهلون أكثر من غيرهم لينتدبوا أنفسهم لاستكمال ما ذكرناه في العلم والذكر ويأخذوا على عاتقهم نقل المسلمين والمسلمات إلى أجواء الربانية. فلقد شهد عصرنا مؤسسات علمية كثيرة، ولكنه لم يشهد إلا قليلاً تلك المحاولات التي تعمم علوم الثقافة الإسلامية على العامة. ولعله من خلال هذا العرض لشروط وجود الربانية المعاصرة يدرك القارئ ضرورة ما ذهبنا إليه من أنه ينبغي أن يتمحض لهذا العمل ويتفرغ له أهله وبذلك وبتوافر هذه الشروط المذكورة وبوجود المؤسسات التي تخدم في ذلك تقوم بإذن الله الربانية المعاصرة.

وكما نستهدف وجود الرباني ذي الثقافة المتكاملة، فإنه ينبغي أن نستهدف وجود الرباني المختص. فينبغي أن يوجد من بين هؤلاء الربانيين أصحاب الاختصاص في أمهات الدراسات الإسلامية، كأن ينتدب من  هؤلاء الربانيين أناسٌ لتغطية الاختصاصات التالية:

1-    المختصون في الفقه، ومنهم:

–          المختصون في فقه المذاهب المعروفة: حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي، فقه أهل الحديث، فقه أهل الظاهر، فقه زيد، فقه جعفر، فقه الخوارج.

–          المختصون في كتاب فقهي مشهور: حاشية ابن عابدين، المبسوط، المغني….

2-    المختصون في اللغة العربية:

–          نحو وصرف، فقه لغة، بلاغة…

–          الاختصاص في أئمة اللغة وكتبهم: ابن جني، الفيروزابادي، الخليل….

3-    المختصون في التفسير وعلوم القرآن:

–          اختصاص في تفسير معين.

–          اختصاص في علوم القرآن.

–          اختصاص في إمام من أئمة هذا الشأن.

4-    في أصول الفقه:

–          اختصاص في أصول الفقه المذهبي.

–          اختصاص في كتاب من كتب أصول الفقه.

–          اختصاص في حياة أصولي.

5-    علوم الحديث:

–          اختصاص في علوم الحديث.

–          اختصاص في كتب السنة.

–          اختصاص في الرجال.

–          اختصاص في إمام من أئمة الحديث وكتبه.

6-    اختصاص في المنطق:

–          اختصاص في المنطق الاستقرائي الحديث.

–          اختصاص في المنطق الصوري القديم.

7-    اختصاص في العقائد:

–          الاختصاص في عقائد أهل السنة والجماعة.

–          الاختصاص في عقائد الفرق المنشقة.

–          الاختصاص في إمام من أئمة أهل السنة والجماعة في العقائد وكتبهم.

8-    الاختصاص في التاريخ:

–          الاختصاص في التاريخ العام.

–          الاختصاص بتاريخ كل قرن.

–          اختصاص بكتاب من كتب التاريخ.

–          اختصاص بإمام من أئمة التاريخ.

–          اختصاص بتاريخ الإسلام في كل قطر.

 

كما ينبغي أن يوجد من بين الربانيين اختصاصيون بفروض كفائية يحتاجها مستقبل الإسلام والمسلمين.

***

 

إنه بالعلم يحيا الإسلام ويستمر، وبالعلم يحفظ الإنسان من الفتن وخاصة في زمن مثل زماننا، وبالعلم يكون قبول الإسلام، وبنشر العلم والجهر به تكون الحياة:

قال عمر بن عبد العزيز: "فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً".

وقال "إذا رأيت قوماً ينتجون بأمر (أي يتسارون) دون عامتهم فهم على تأسيس الضلالة" أخرجه الدارمي، وأخرج الدارمي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً إلا من أحياه الله بالعلم". فإذا ما سألت عن الأخلاق العامة للربانيين ما هي؟ أقول: هي أخلاقية الربيين وأخلاقية حزب الله قال تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146-148]. فقد فسرت الربية بتفسيرات كثيرة منها ما ذكره ابن كثير عن الحسن: "ربيون كثير أي علماء كثير وعنه أيضاً علماء صبر أي أبرار أتقياء". وأما أخلاقية حزب الله فمحددة في آيات الردة {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 54-56].

ولعل القارئ يذكر كتابنا جند الله ثقافة وأخلاقاً ومن تأمل ما ذكرناه ههنا عرف أننا قصدنا بذلك الكتاب إحياء الربانية والربية وذلك طريق لابد منه لتجديد الإسلام في عصرنا. وأقترح لإحياء الربانية أن نحيي فكرة الإجازة العلمية على طريقة الشيوخ القدامى فكل من درس علماً أخذ إجازة فيه حتى إذا درس كل العلوم التي ذكرناها وظهرت فيه أخلاقية الربيين والربانيين أعطي إجازة الربانية أو أعطي الإجازة الجامعة فإذا تخصص بفرع من فروع الاختصاص أعطي إجازة الأستاذ في ذلك الاختصاص ولعلّ إنشاء جامعة إسلامية أهلية لإحياء الربانية يخدم في ذلك. إن إحياء الربانية من فروض العصر ولا ربانية إلا إذا وجدت أشياء:

ثقافة إسلامية كاملة ومتكاملة معاصرة.

أخلاق كاملة ومتكاملة يجتمع لصاحبها صفات الربانيين والربيين.

روحانية رفيعة يجتمع لصاحبها معرفة ذوقية قلبية بالله وقيام بواجبات العبودية لله رب العالمين.

***

 

إن تجربة القرن الرابع عشر الهجري أثبتت أن الذين تتلمذوا على أيدي الربانيين، وعاشوا في أجواء المساجد والتلقي، كانوا هم الأنقى والأرقى والأقدر على الدعوة، وأن العلم الذي لا يرافق العمل والقلب الذي لا يربى على الصحة كل ذلك يمكن أن يشكل كارثة على أهله وعلى الناس، وهذا يقتضي وجود عمل من ميزاته أنه:

علم متكامل هادف مناسب للعصر وأعمال على ضوء العلم. إن إحياء الربانية والربية من فروض العصر وإقامة الحلقات والمؤسسات اللازمة لذلك من فروض العصر فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأرى أن تبتعد حلقات الربانيين عن كل ما لا يخدم خدمة مباشرة في العلم والسلوك والأخلاق والدعوة والخدمة ومن أراد من أبناء هذه الحلقات أن يعمل عملاً مفروضاً أو مشروعاً فليفعل بمبادرته الشخصية متحملاً مسؤولية نفسه دون أن يحمل حلقات الربانيين مسئولية تقطع الطريق عليها أن تحقق أهدافها الثقافية والتربوية والروحية. لقد انتشرت المذاهب الرديئة القائمة على الأهواء والمتشابه وعلى البهتان وتجريح الناس ظلماً وزوراً وكثرت الجرأة على المعاصي الظاهرة والباطنة وخاصة معاصي اللسان وآثام القلوب، وأصبح المسلمون بحاجة إلى بيئة نظيفة ينمون فيها علمياً وروحياً وأخلاقياً بما يتفق ومذاهب أهل الحق. فأي خلل يحول دون النضج العلمي والروحي يؤثر على  الدعوة وعلى التربية وعلى التعليم وينتج عنه ضعف الاقتداء في سياسات النبوة، وينتج عنه ضعف في انتشار الإسلام وضعف التأثير وهذا كله يحتاج إلى تلاف.

المصدر : الشبکه الاخوانیه

 

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس