معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> 100 عام على مولد الإمام البناء

100 عام على مولد الإمام البناء

100

عام على مولد الإمام البنا

 ن الذكريات ما يطويه الزمن، ويسدل عليه ستائر النسيان إلى غير رجعة، ومن الذكريات ما يطوف بالإنسان في فترات متباعدة من حياته، ولكن في صورة شبحية غائمة، لا تثير في النفس من المشاعر إلا هوامشها الطافية، ومساحاتها السطحية، ومن الذكريات ما يتغلغل في نفس الإنسان حتي تتشرَّبها روحه، وتغدو كأنها عضوٌ حيٌّ من أعضائه، بل أشدّها، وأقواها نبضًا وحياةً.أقول هذا بعد مضيّ قرابة خمسة وستين عامًا على واقع عظيم جميل.. عشتُه لساعات، وأنا في بداية المرحلة الابتدائية، وذلك في مدينة "المنزلة"- بلدي ومسقط رأسيوهي مدينة تقع على بحيرة المنزلة، في أقصى شمال دلتا النيل.

المسيرة المباركة..كان ذلك في شارع "البحر المردوم" أوسع شوارع "المنزلة" وأطولها، فبعد صلاة الظهر في يوم شديد الحرارة رأيت مسيرةً من خمسمائة رجلعلى الأقلما بين شاب في العشرين وشيخ جاوز الخمسين: أزياؤهم واحدة، لونها "الكاكي"، والزي الواحد يتكون من بنطلون قصير (شورت)، وجورب طويل، وقميص وطربوش، ومنديل أخضر كبير يلف على العنق، ويرخى قرابة نصفه على منطقة التقاء العنق بالظهر على شكل مثلث ويتدلَّى طرفاه على الصدر محبوسين بمحابس من الجلد.

عرفت بعد ذلك أن هذا الزي يُسمي "زي الجوالة" وأن هؤلاء جميعًا "جوالة الإخوان المسلمين" وأنهم جميعًا من أهل المنزلة والقرى التي تحيط بها، وقد جمعت هذه المسيرة الموحدة الزي فلاحين وعمالاً، وأطباء ومدرسين، ووعاظًا وتجارًا.. ياه!! أنا لم أشهد مثل هذه المسيرةأو هذا العرضمن قبل.. لا في يقظتي، ولا في منامي.رأيتهم يسيرون على دقات طبول منتظمة، تتخللها أصوات قوية نفاذة من "النفير" أو "البروجي"، وكان النافخون في هذه الآلة النحاسية لا يقلون عن أربعين جوالاً موزَّعين علي ثلاث مجموعات: في المقدمة والوسط والمؤخرة، ومن عجب أن النافخين كانوا ينفخون كل مرة قرابة خمس دقائق دون نشاز، ودون أن يسبق نافخ زميله أو يتأخر عنه للحظة واحدة، على تباعد أماكنهم.وأحيانًا يصدر الأمر من قائد العرض الأستاذ محمد قاسم صقررحمه الله بالتوقف عدة مرات، ليهتف كل من في المسيرة: "الله أكبر ولله الحمد.. الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.." وكان الناس يشاركون إخوان المسيرة هتافاتهم بقوة تكاد تهز الأرض هزًّا.

!! ما شاء الله!! مَن علَّم هؤلاءالذين أراهم لأول مرةكل هذا الأدب.. وكل هذه السلوكيات والقيم: الطاعة.. النظام.. الانضباط.. الحب والمودة، وكلهم كانوا على قدم المساواة استجابةً وتنفيذًا مع اختلاف ثقافاتهم وأنماطهم الفكرية، ومراكزهم الاجتماعية، بل إن الكثيرين منهم أميون لا يعرفون القراءة والكتابة؟!ابن التاسعة أو العاشرةأكاد أطير من الفرح والسعادة بما أرى، إنهم يسيرون، وخطواتي الضيقة لا تتمكن من مسايرة خطواتهم الواسعة إلا بشيء من الجَري بين الفَينة والأخرى، وكأنني كنت أخشى أن يتخطّوا مجال رؤيتي، فيقفز قلبي من بين جنبيَّ، ويواصل المسيرة المنتظمة معهم، ويحثُّني أن أسرع وأجدَّ في السير حتى أدركهم، ويسكن صدري من جديد، ومع فرحي الغامر كان شيءٌ من الحزن يخامرني مخافةَ أن ينتهي العرض الحلو الجميل.عدوُّ الوفد عدو الدين"حي المعصرة"، وهو معقل الوفديين، وكان الوفد آنذاك يعادي الإخوان ويحقد عليهم، ويسلط عليهم صحُفَه لتشويه سمعتهم، وفجأةً ظهرت أعداد كبيرة من سوقة الوفديين، مدجَّجين بالنبابيت والعصيّ، ووقفوا في وجه العرض، وأخذوا يهتفون "عدو الوفد عدو الدين"، وكادت تحدث مذبحة لولا أن صاح قائد المسيرة محمد قاسم صقر بالجوالة "مكانك.. اثبت"، فوقفوا جميعًا، كأن أرجلهم قد سُمرت في الأرض، وفي لمح البصر رأيناه ينضم إلى المظاهرة، ويهتف مع المتظاهرين المتآمرين المستأجَرين، بصوت أقوى من أصواتهم "عدو الوفد عدو الدين.. عدو الوفد عدو الدين"، وأخذت أصوات المتظاهرين تتلاشى، وأخذوا يتبادلون النظر في خجَل، وانسحبوا جميعًا منكَّسِي الرءوس، بعد أن حرق الأستاذ صقر ورقتَهم، ورأيت بعضهمفيما بعدينضم إلى الإخوان، ويشارك في مسيرات الجوالة.

سبحان الله

 

إنني وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقد واصل العرض مسيرتَه المباركة إلى أن وصل إلى

 

فيما بعدأن تصرُّف قائد العرض الإخواني تطبيقٌ عمليٌّ لمنهج الجماعة في معالجة الأموروخصوصًا وقت الشدائدبالحكمة والاتزان، وتجنُّب الاندفاع، والحماسة الطائشة، فهي حكمةٌ بلا تفريط، وتسامحٌ بلا تهاون، وتفاهمٌ بلا هوان... إن تيار الشعور المتدفِّق في نفسي لم يستطع ولن تستطيع اللغة أن تعبر عنه بكماله.. إنها حقيقة أؤكدها بصدق وأمانة، وأستحضرها أمام عيني كأني أراها الساعة.ولكن ما شأن هذه المسيرة?! ولماذا خرجت ظهر هذا اليوم بالذات?! ويأتيني الجواب من أحد أصدقاء والدي: "دول رجَّالة الشيخ حسن.. الشيخ حسن البنا؛ لأنه سيحضر من القاهرة الليلة، ويخطب في الصوان (السرادق) الكبير بعد العشاء.. راجل فصيح قوي، سمعته في بورسعيد مرة لا أنساها، ولا أنساه.. و.. و.. حسن البنا?! حسن البنا?! إنه اسم لم أسمع به من قبل.البلاغة الإيمانية..

وعرفت

 

وواصل الإخوان مسيرتهم وأنا أتمنى أن تستمر ساعات، بل أيامًا متواصلةً

 

 

"الله أكبر ولله الحمد" وشعرت بأنني بلغت مبلغ الرجال، وأنا أهتف مع الهاتفينبصوتي الطفولي النحيل– "الله أكبر ولله الحمد"، لقد حضر المرشد.. رأيته، وعلى فمه ابتسامة عريضة، وهو يشقُّ طريقَه إلى المنصة بين صفَّين من الجوالة على هيئة "كردون" وهم متشابكو الأيدي، واستطاعوا بصعوبة بالغة أن يمنعوا بظهورهم تدفُّقَ الجمهور المندفع من الجانبين لمصافحة المرشد العظيم.وعلى مدى ثلاث ساعات كان الناس يستمعون إليه كأن على رءوسهم الطير، لقد سمعتُه يقدم لونًا من الكلام.. كلامًا يختلف تمامًا عما نسمعه في خطب الجمعة، واحتفالات المولد النبوي؛ ولتوضيح ذلك أقول: إن بلدتي المنزلة مشهورة بالصيد، والبحَارة (أي نقل الركاب والبضائع بالسفن الشراعية في بحيرة المنزلة)، ومن هذا الواقع البيئيالذي لا يجهله أحد من الحاضرين كبارهم وصغارهمانطلق حسن البنا في حديثه فشبَّه الأمة بالسفينة.. جسمها الشعب، وشراعها الإيمان، ودفتها الحكومة.وقد تعوزني الدقة في هذا التجزيء التشبيهي، ولكن الذي أذكرهوقد مضى على ما سمعت قرابة خمسة وستين عامًاأن السفينة كانت مشبَّهًا به، وأنهرحمه اللهدخل نفوس الناس من الدقائق الأولى، وهو يشرح مقولته، مكثرًا من الاستشهاد بالقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ووقائع من السيرة النبوية، وحياة السلف الصالح.كنتعلى صغر سنيأفهمبل أعيشكل كلمة يقولها الرجل العظيم، ولكن الأهم من ذلك هو إحساسي القويوأنا مأخوذ بما يقولبأنه يوجِّه نظراته وكلماته إليَّ دون غيري، وأخفيت هذا الخاطر عن والدي، إلى أن سمعته يقول لأحد جيراننا في اليوم التالي "لقد شدني الشيخالله يكرمهكنت أشعر بأنه يخصني وحدي بهذا الكلام الجميل"، وسمعت العبارة نفسها من بعض الذين كانوا يجلسون بعيدًا عنا، فأدركت فيما بعد أن الرجل قد بلغ مقامًا من "البلاغة الإيمانية" لا يرقى لمثله إلا أقل القليلين على مدار التاريخ الإنساني كله.

وبُعَيد صلاة العشاء كنت أنا ووالدي نأخذ مكانَيْنا وسط الألوف التي تجمعت في انتظار الرجل العظيم، وبعد نصف ساعة اهتزَّ المكان بهتاف

  

كانت هذه هي المرة الوحيدة التي شاهدت فيها الإمام العظيم، وبعدها مباشرةً صرت واحدًا أو

 

 

يقول روبير جاكسون في كتابه (حسن البنا الرجل القرآني):  "كان قديرًا على أن يحدِّث كلاًّ بلغته، وفي ميدانه، وعلى طريقته، وفي حدود هواه، وعلى الوتر الذي يحس به، وعلى الجرح الذي يثيره، وهو يستمد موضوع حديثه أثناء سياحاته في الأقاليم، وفي كل بلد من مشكلاتها، ووقائعها، وخلافاتها، ويربطهفي لباقةمع دعوته، ومعالمها الكبرى، فيجيء كلامه عجبًا يأخذ بالألباب".وصرت واحدًا في المسيرة المباركة"شبلاً" في جوالة الإخوان المسلمين، أرتدي البدلة "الكاكي"، وآخُذ مكاني في صف كل عرض يقدمونه في المنزلة وقراها.لقد عبرت عما رأيت بصدق وأمانة دون بهرج أو تزيين أو إسراف، وكان هذا هو الصدَى الذي بعثته في نفسي هذه الصورة الجليلة العظيمة، التي أودعتها رحاب وجداني، بلا تصنع أو افتعال، وكانت هذه هي كلمة عاطفتي وقلبي.وبتقدميانطلاقًا من الطفولةفي مسار العمر شبابًا وكهولةً وشيخوخةً، تدعمت رؤية "القلب المحب المستجيب" برؤية العقل الدارس الواعي، وفي حوزتها ثروة من المشاهد والفِكَر والأدلة والأسانيد، وكلها تشهد للرجلالذي وُلد يوم الأحد 25 من شعبان 1324 (14 من أكتوبر 1906)- بالقدرة والعظمة والألمعية، وقوة الإيمان، والتفوُّق في تربية الشباب على جادة الحق والرجولة والتقوى والجهاد، وانطلقت مسيرة دعوته من "هنا" إلى "هناك" لتحقق فتوحاتٍ لا تُحصى في مشارق الأرض ومغاربها، وانطلقت "الله أكبر ولله الحمد" تهزُّ أقطار أوروبا وأمريكا، لتسكنَ قلوب الملايين، فتفيض بالحق والنور والإيمان.

المصدر : اخوان ان لاین

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس