العربیةالمقالاتمطالب جدید

إِهْلَاکُ اللهِ لِلظَّالِمِین .. لِمَاذَا .. وَمَتَى .. وکَیْف؟ نظَراتٌ فی القُرْآن

إِهْلَاکُ اللهِ لِلظَّالِمِین .. لِمَاذَا .. وَمَتَى .. وکَیْف؟ نظَراتٌ فی القُرْآن

دکتر عبدالرحمن البر

 –       کثْرهُ الهَالِکِینَ علَى مَدارِ التَّارِیخ:

الحمدُ للهِ، والصَّلاهُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ ومَنْ والاه، واهتَدَى بهداه.

وبعدُ؛ فإذا استقرأْنَا التاریخَ فسوفَ نجدُ قرىً ظالمهً کثیرهً أهلکها اللهُ، ولم یبْقَ منها إلا آثارٌ شاخِصهٌ شاهدهٌ على الظالمین الذین سکَنُوها، قال تعالى ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَکَفَى بِرَبِّکَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِیرًا بَصِیرًا?، وقال تعالى ?کَمْ أَهْلَکْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِینَ مَنَاصٍ?  أی نَادَوْا حِینَ لا یَنْفَعُهُمْ فرارٌ ولا ملجأٌ من ذلک العذابِ الذی عایَنُوه.

–       اللهُ لا یُهْلِکُ القُرَى ظُلْمًا بلْ بسببِ أنفسِهِم وبعدَ أنْ یُقِیمَ علیهم الحُجَّه:

قال تعالى ?وَمَا کَانَ رَبُّکَ مُهْلِکَ الْقُرَى حَتَّى یَبْعَثَ فِی أُمِّهَا رَسُولًا یَتْلُو عَلَیْهِمْ آَیَاتِنَا وَمَا کُنَّا مُهْلِکِی الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ?فلِلْإِهْلاکِ شرطان: أنْ یبعثَ الرسولَ یتلو آیاتِه، فیُکَذَّبَ ویُکْفَرَ به وبما جاء به، وأنْ یظلمَ أهلُ القرى ویعتَدُوا، ومن ثَمَّ لا تکونُ لهم حجَّهٌ بین یدی الله ?وَلَوْ أَنَّا أَهْلَکْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَیْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَیَاتِکَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى?. فإذا رأیتَ تَسَارُعَ الظالمین فی الظلمِ واغترارَهم بالمهْلَه فأَبْشِرْ بِقُرْبِ هلاکِهم، فقد قامتْ علیهم الحُجَّه.

–       الظُّلْمُ أهمُّ أسبَابِ الهَلاک:

حین تطالِعُ آیاتِ القرآنِ ترى أسبابًا متعددهً لإهلاکِ اللهِ لأُمَّهٍ من الأمم، لکنَّ أکثرَ الأسبابِ ورودًا فی القرآنِ هو الظلمُ، بکلِّ صورِه وأنواعِه، وقد جعله اللهُ سببًا لقطْعِ دابِرِ مرتکبیه، فقال ?فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِینَ ظَلَمُوا?.

ولا یترکهم الحق سبحانه حتى یُقِرُّوا على أنفسهم بالظلم، وفی الحدیث: «مَا هَلَکَ قَوْمٌ حَتَّى یُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، قیلَ لابنِ مسْعُودٍ: کیْفَ یکونُ ذلک؟ فقرأَ هذهِ الآیه: ?فَمَا کَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا کُنَّا ظَالِمِینَ?.

وهذا ما ینتظِرُ الظالمین فی کلِّ حِین ?وَلَقَدْ أَهْلَکْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّنَاتِ وَمَا کَانُوا لِیُؤْمِنُوا کَذَلِکَ نَجْزِی الْقَوْمَ الْمُجْرِمِینَ? أی: مثلَ ذلک الجزاءِ بالإِهلاکِ العامِ نجزِی القومَ المجرِمین فی کلِّ زمانٍ ومکانٍ. ولیس الظالمون الیومَ بأکرمَ من سلَفِهِم من الظالمین.

–       یقینُ المُؤْمِنینَ بإِهْلاکِ اللهِ للظَّالِمین:

مضى قضاءُ الله بوعدِه لأهل الحقِّ بإهلاکِ مَنْ ظَلَمَهم وبتوْریثِهم مساکنَ الظالمین، حتى لا یهتَمُّوا بتهدیدِ الظالمین ولا یکترِثُوا بوعیدِهم ?وَقَالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّکُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَیْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِکَنَّ الظَّالِمِینَ. وَلَنُسْکِنَنَّکُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِکَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِی وَخَافَ وَعِیدِ?.

ولذلک فالیقینُ الذی لا یفارِقُ قلوبَ المؤمنین أنَّ اللهَ سیُهْلِکُ الظالمین، وإنْ لم یعلموا متى ولا کیف یفعلُ ذلک، بل ولیس لهم أنْ یقترِحُوا على الله موعدًا ولا کیفیهً، فهو العلیمُ الحکیمُ، والقرآنُ یحدِّثُنا عما جرى بین موسى وقومِه حین هدَّدهم فرعونُ، فکان أول ما واجَه به بنو إسرائیلَ موسى أنْ ?قَالُوا أُوذِینَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِیَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّکُمْ أَنْ یُهْلِکَ عَدُوَّکُمْ وَیَسْتَخْلِفَکُمْ فِی الْأَرْضِ فَیَنْظُرَ کَیْفَ تَعْمَلُونَ?. فهذا هو الیقینُ الذی عند موسى، والذی یجبُ أنْ یملأَ قلوبَ کلِّ المؤمنین.

–       یُهْلِکُ اللهُ الظَّالِمِینَ مِنْ حیثُ لا یشعُرون:

جرتْ سنهُ الله أنْ یکونَ الأخذُ للظالمین من حیثُ لا یشعرون ولا یحتسِبُون، بل ربما أهلکَهم من حیثُ یظنُّون النجاهَ، کما حدث مع قومِ شُعیب، الذین أرسلَ علیهم عَذَابَ یَوْمِ الظُّلَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَیْهِمْ وَهْدَهً (موجه من الحر الشدید) فَأَخَذَتْ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى نَضَّجَتْهُمْ فِی بُیُوتِهِمْ، فَخَرَجُوا یَلْتَمِسُونَ الرَّوْحَ، فَخَرَجُوا مِنْ قَرْیَتِهِمْ، فبَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَیْهِمْ سَحَابَهً حَتَّى إِذَا أَظَلَّتْهُمْ وَاجْتَمَعُوا تَحْتَ ظِلِّهَا، أَسْقَطَهَا عَلَیْهِمْ، فَأَحْرَقَهُمْ».

وقومُ عادٍ لما رأوا الریحَ والسحابَ ظنُّوها خیرًا لهم، و?قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِیحٌ فِیهَا عَذَابٌ أَلِیمٌ. تُدَمِّرُ کُلَّ شَیْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا یُرَى إِلَّا مَسَاکِنُهُمْ کَذَلِکَ نَجْزِی الْقَوْمَ الْمُجْرِمِینَ? وفی الحدیث: «مَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّیحِ الَّتِی أُهْلِکُوا بِهَا إِلاَّ مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِیَهِ، فَحَمَلَتْهُمْ وَمَوَاشِیهِمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَیْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِکَ أَهْلُ الْحَاضِرَهِ مِنْ عَادٍ الرِّیحَ وَمَا فِیهَا قَالُوا ?هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا?، فَانْقَلَبَ أَهْلُ الْبَادِیَهِ وَمَوَاشِیهِمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَهِ».

وکان صلى الله علیه وسلم یتخوَّف إذا هاجت الریحُ؛ خشیهَ أن تکونَ مثل الریح التی أهلکتْ عادًا، ویقول کما فی الصحیح  «یَا عَائِشَهُ مَا یُؤْمِنِّى أَنْ یَکُونَ فِیهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّیحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا».

أما بنو النَّضِیر، فقد أهلکهم اللهُ، بعد أنْ حسبوا کلَّ شیءٍ وأخذوا بجمیع الأسبابِ المادیه، حتى اعتقدوا أنه لا أحدَ یستطیعُ أنْ یُخرجَهم من حصونِهم لمتانتها وقوتها، فأخرجَهم من غیر أنْ یُکلِّفَ المسلمین اصطدامًا مسلَّحًا ولاقتالًا ضاریا ?هُوَ الَّذِی أَخْرَجَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مِنْ دِیَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ یَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَیْثُ لَمْ یَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ یُخْرِبُونَ بُیُوتَهُمْ بِأَیْدِیهِمْ وَأَیْدِى الْمُؤْمِنِین فَاعْتَبِرُوا یَا أُولِی الأبْصَار?.

وهذا کلُّه وغیرُه کثیرٌ مما یُطمئِنُ المؤمنین إلى رعایهِ الله لهم وقدرتِه أنْ ینصرَهم بما شاءَ وکیف شاءَ فی کلِّ زمانٍ ومکان، ما التزموا بتعالیم دینه ?وَلَیَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِیزٌ?، بالکیفیَّه التی یشاءُ، وفی الوقتِ الذی یُرید.

–       أَشَدُّ أوقاتِ المِحْنَهِ هی الَّتی تسبِقُ النصرَ للمؤْمِنینَ والإهلاکَ للظَّالِمین: 

أشدُّ فُصولِ المحنهِ خطرًا وأثقلُها وطأهً على نفوسِ المؤمنینَ هی التی تسبِقُ النهایهَ، وإنْ شئتَ فانظر فیما جرَى لقومِ لوطٍ، فقد ضاق قلبُه حین أتاه الملائکهُ ?وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِیءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا یَوْمٌ عَصِیبٌ?.

ولم یکن یعلمُ ولا کان قومُه یشعُرُون أن هذا الفصلَ العصیبَ الأشدَّ هو الفصلُ قبلَ الأخیرِ فی قصهِ الصراعِ بین الصلاحِ والفسادِ، وإذا بالضیوفِ یُبَشِّرونه بنهایهِ القومِ مع الصباح ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَیْسَ الصُّبْحُ بِقَرِیبٍ. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِیَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَیْهَا حِجَارَهً مِنْ سِجِّیلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَهً عِنْدَ رَبِّکَ وَمَا هِیَ مِنَ الظَّالِمِینَ بِبَعِیدٍ?.

وانظرْ إلى دعاءِ النبی صلى الله علیه وسلم یومَ بدرٍ لتعلمَ ضخامهَ الشِّدَّهِ التی کان فیها المسلمون، وهو یَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِی مَا وَعَدْتَنِی، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِی، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِکْ هَذِهِ الْعِصَابَهَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِی الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ یَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا یَدَیْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَهِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْکِبَیْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَکْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْکِبَیْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: یَا نَبِیَّ اللَّهِ کَفَاکَ مُنَاشَدَتُکَ رَبَّکَ، فَإِنَّهُ سَیُنْجِزُ لَکَ مَا وَعَدَکَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ?إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجَابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِکَهِ مُرْدِفِینَ?. فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِکَهِ.

ثم بعدَ هذه الشِّدَّهِ أنزل نصره، وجعل الخِذْلانَ على المجرمین، وانکسرتْ قریشٌ انکسارًا عظیمًا، وجعله الله یومَ الفُرقان.

–       قد تکونُ النهایهُ فی غایهِ القُرْبِ، وظواهِرُ الأمورِ على عکسِها تماما:

قد یکون المؤمنون فی حالهِ تَخَوُّفٍ شدیدٍ من الاستئصالِ، ولا یَدْرُون أنَّ النصرَ أقربُ ما یکون منهم، ففی قصه هلاکِ فرعون وملئِه قال تعالى ?فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَکُونَ. قَالَ کَلَّا إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهْدِینِ?، ومع أنَّ موسى علیه السلام یُوقِنُ بذلک إلَّا أنه لم یعرفْ کیف یتمُّ ذلک، حتى أمره الله أنْ یضربَ البحرَ بعصاه، ولما نَجَوْا وخطَر ببالِه أن یضربَه بعصاه مرهً أخرى لینطبقَ حتى لا یلحقَهم فرعونُ وجنودُه قال له ربُّه: ?وَاتْرُکِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ?.

–       بعد الشِّدَّهِ العظیمهِ والزلزلهِ یکونُ نصرٌ عظیمٌ:

النصرُ الذی یأتی به اللهُ بعد زلزلهٍ وشِدَّهٍ للمؤمنین یکون نصرًا عظیمًا قلیلَ الکُلْفهِ عظیمَ الأثر، وانظُر إلى النصرِ بعد الزلزلهِ فی غزوهِ الأحزابِ، کیف کان نصرًا بدونِ إراقهِ قطرهِ دمٍ مسلمهٍ، وکیف کانت نتیجتُه عظیمهً بالتخلُّصِ من الیهودِ، وبإعلانِ انتهاءِ خطرِ غَزْوِ المدینهِ من قِبَلِ أیٍّ کان، وقال النبی صلى الله علیه وسلم « الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا یَغْزُونَا»، وقال الله تعالى ?وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِغَیْظِهِمْ لَمْ یَنَالُوا خَیْرًا وَکَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتَالَ وَکَانَ اللَّهُ قَوِیًّا عَزِیزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِینَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مِنْ صَیَاصِیهِمْ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِیقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِیقًا. وَأَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَدِیَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرًا?.

وانظُر إلى النصرِ الذی منَّ اللهُ به على بنی إسرائیل بعد ما لاقَوْا من بلاءِ فرعون، کیف کان نصرًا عظیمًا للغایه، حتى ورِثُوا بلادَ الشام، ومن بعدها مصرَ، فی الوقتِ الذی دمَّر اللهُ فیه ما کان یصنعُ فرعونُ وقومُه ?وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِینَ کَانُواْ یُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا وَتَمَّتْ کَلِمَتُ رَبِّکَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِی إِسْرَآئِیلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا کَانَ یَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا کَانُواْ یَعْرِشُون?.

–       متى یحصُلُ الهَلاکُ للظّالِمِین:

مع أنَّ المؤمنَ یتمنَّى أنْ یُعَجِّلَ اللهُ العذابَ للظالمین، فإنَّ الآیاتِ والأحادیثَ تبیِّنُ لنا أنَّ لِعَذابِ الله میعادًا لا یعلمُه إلَّا هو، ولا یُعْجِلُه عن ذلک عَجَلَهُ المؤمنین ولا إحساسُهم بشِدَّهِ الوَطْأهِ، فإنَّ حِکْمتَه اقتضتْ أنْ یُنْزِلَ عذابَه بالظالمین فی وقتٍ هو یعلمُه ?وَمَا أَهْلَکْنَا مِنْ قَرْیَهٍ إِلَّا وَلَهَا کِتَابٌ مَعْلُومٌمَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّهٍ أَجَلَهَا وَمَا یَسْتَأْخِرُونَ? أی: لهلاکِها أجلٌ مُوَقَّتٌ قد کتبْناه لهم، لا نُعذِّبُهم ولا نُهلِکُهم حتى یبلغوه، فلا یَنْزِلُ بهم قبل موعده ولا یتأخر عنه ?وَرَبُّکَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَهِ لَوْ یُؤَاخِذُهُمْ بِمَا کَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ یَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا. وَتِلْکَ الْقُرَى أَهْلَکْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِکِهِمْ مَوْعِدًا? أی: وقتاً معیّنًا لا مَحِیدَ لهم عنه، فلیس ما یراه الناسُ من التأخیرِ إهمالًا لهم ولا عفوًا عنهم ?وَکَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ أَمْلَیْتُ لَهَا وَهِیَ ظَالِمَهٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَیَّ الْمَصِیرُ? ومعناه: أنَّ اللهَ تعالى یُنْظِرُهم ویُمْهِلهُم ثمَّ یأخذُهم أَخْذَ عزیزٍ مُقْتَدِر، وفی الصحیحین: «إِنَّ اللهَ لَیُمْلِی  لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ یُفْلِتْه». ثم قرأ ?وَکَذَلِکَ أَخْذُ رَبِّکَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِیَ ظَالِمَهٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِیمٌ شَدِیدٌ?.

صحیحٌ أنَّ کثرهَ المظالم تُوحِی باقترابِ أَخْذِ اللهِ للظالمین، لکن قد یمدُّ الله للظالمِ فی الأسبابِ حتى یستکثرَ من الظلمِ ?وَالَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَیْثُ لَا یَعْلَمُونَ. وَأُمْلِی لَهُمْ إِنَّ کَیْدِی مَتِینٌ?، وقد تکرَّر استکبارُ فرعونَ وادعاؤُه الألوهیهَ، واقترفَ من الجرائمِ والعظائمِ الکثیرَ قبلَ أنْ یُغرقَه الله تعالى. فثِقُوا باقترابِ نصرِ الله وأنتم تروْن تتابُع الانقلابیِّین فی الظلم.

–       کیْفَ یأخُذُ اللهُ الظَّالِمِین:

مما اختصَّ اللهُ تعالى نفسَه به: تحدیدُ الکیفیَّهِ التی یُعاقِبُ بها الظالمین، فقد أخذ عادًا بعذابٍ، وثمودَ بعذابٍ، وفرعونَ بعذابٍ، وهکذا ?فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِکُوا بِالطَّاغِیَهِ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِکُوا بِرِیحٍ صَرْصَرٍ عَاتِیَهٍ?، وقال تعالى ?فَکُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَیْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّیْحَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا کَانَ اللَّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَلَکِنْ کَانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ?. فلا تشغلْ نفسَک بالکیفیهِ التی سیأخذُ بها الظالمین، لکن کنْ على تمامِ الثقهِ بأنه سیأخذُهم.

–       الدعوهُ للنَّظَرِ فی مصائرِ الهالِکینَ للاعتِبار:

حتى لا یکونَ لأحدٍ حجَّهٌ بین یدی الله تعالى فإنَّ الله دعا الخلقَ أن ینظروا فیما جرى للظالمین مِنْ قبلِهم، ویتأمَّلُوا سننَ الله فیهم ?أَلَمْ یَرَوْا کَمْ أَهْلَکْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَکَّنَّاهُمْ فِی الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَکِّنْ لَکُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَیْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَکْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِینَ? أی: جعلناهم قادرِین من حیثُ القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فی الأرضِ ما لم نجعلْه لکم من القوهِ والسَّعهِ فی المالِ والاستظهارِ بالعَدد والأسبابِ، فمن العجَبِ أن تمشُوا فی مساکنِهم، وتَرَوْا ما حلَّ بهم، ولا تعتبِروا بما حصل لهم ?وَلَقَدْ أَهْلَکْنَا أَشْیَاعَکُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّکِرٍ?.

وحتى لا یتصوَّرَ أحدٌ أنَّ الهلاکَ کان للسابقین فحسبُ؛ فإنَّ القرآنَ العظیم یؤکد أن سننَ الله ماضیهٌ فی کلِّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهم ?أَلَمْ نُهْلِکِ الْأَوَّلِینَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِینَ. کَذَلِکَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِینَ? أی: تلک سنهُ الله فی معاملهِ المجرمین، فلا محیصَ للظالمین عنها، فلْیَطمئنَّ المؤمنون بالًا ولْیَثِقُوا بأنَّ ظالمیهم لیسوا استثناءً من قانون الله، وسیهلکُهم فی المیعادِ الذی حدَّده سبحانه.

–       إِهْلاکُ مَنْ کانَ أَشَدَّ منَ الظَّالِمِینَ الحَالِیِّین:

فی کلِّ جیلٍ یتصوَّرُ الظالمُون الجدُدُ أنهم استثناءٌ من قانونِ اللهِ تعالى فی إهلاکِ الظالمینَ، فجاءت الآیاتُ توضِّحُ أنَّ اللهَ قد أهلک السابقین، ممَّنْ کانوا أکثرَ وجاههً، أو أشدَّ قوهً، أو أعظمَ بأسًا، أو أشدَّ بطشًا، فقال تعالى ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْیًا?، فلم یحْمِ هؤلاء من نزولِ عذابِ الله فیهم عُلُوُّ طبقتِهم الاجتماعیهِ التی یدُلُّ علیها حُسْنُ أَثاثِهم، وحُسْنُ مَظْهرِهم وشارَتِهم وهیئَتِهم، ولم تُغْنِ عنهم مکانتُهم الاجتماعیهُ شیئًا عندَ الله.

وهدَّد اللهُ تعالى کفارَ مکهَ بأنَّ الأممَ الماضیهَ کانت أشدَّ منهم بطشًا وقوهً، وأکثرَ منهم عددًا وأموالًا وأولادًا، فلمْ یحْمِهم ذلک من عذابِ الله ?فَأَهْلَکْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِینَ?.

کما أهلکَ القرى التی هی أقوَى من أهلِ مکه، ولَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَکَّهَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجلَّ عَلَیه ?وَکَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ هِیَ أَشَدُّ قُوَّهً مِنْ قَرْیَتِکَ الَّتِی أَخْرَجَتْکَ أَهْلَکْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ?.

وقد بحثَ السابقون وفتَّشُوا فی البلادِ علَّهم یجدونَ مهربًا من الهلاکِ فلم یجدوا ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِی الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِیصٍ?، وهل یمکنُ الفِرارُ من الله إلَّا إلیه؟ لو کانوا یعلمون.

وإذا کان الظلمهُ الجددُ یتصوَّرون أنهم قد امتلکُوا کلَّ أسبابِ القوهِ، فقد ضرب اللهُ لهم مثلًا بمن قبلهم ?وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ کَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى?، فقد دعاهم نوحٌ ألفَ سنهٍ إلا خمسین عامًا کلما نشأَ قرنٌ کان أظلمَ من سابِقِه، حتى کان الرجلُ یأخذُ بید ابنِه فیحذِّره منه؛ تتابعًا فی الضلاله ? وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِینَ دَیَّارًا. إِنَّکَ إِنْ تَذَرْهُمْ یُضِلُّوا عِبَادَکَ وَلَا یَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا کَفَّارًا?، ولکنَّ طولَ مُدَّهِ المحنه لا یعنی الإهمالَ ولا إفلاتَ الظالمِ على الإطلاق ?وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا یَعْمَلُ الظَّالِمُونَ?. فلا تَبْتَئِسْ بما تَرى من مظاهرِ قُوَّه الظالمین، فإنهم لنْ یُعجِزوا الله شیئا.

–       وفی الختام:

فإنَّ اللهَ لا یعْجَلُ بعجلهِ أحدِنا، بل یُوصِی نبیَّه والمؤمنین بالصبرِ وعدمِ الاستعجالِ، والیقینِ بهلاکِ الفاسقین ?فَاصْبِرْ کَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ?، وذلک ما یجبُ أن یکونَ علیه الثوارُ الأحرارُ الذین یخوضون معرکهَ الحریهِ والکرامهِ مع الانقلابیینَ الدمویینَ المفسِدین، بالصبرِ الجمیلِ، والسلمیَّهِ المبدِعهِ، والوحدهِ الجامعهِ، والثقهِ الکاملهِ فی نصرِ اللهِ للحقِّ الذی یحملونَه، والأملِ الواسعِ فی النصرِ العزیزِ المرتقبِ ?وَیَوْمَئِذٍ یَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ یَنْصُرُ مَنْ یَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِیزُ الرَّحِیمُ?.
——–
سبق نشره فی “إخوان أون لاین” فی ۴ مارس ۲۰۱۴

البر

 –       کثْرهُ الهَالِکِینَ علَى مَدارِ التَّارِیخ:

الحمدُ للهِ، والصَّلاهُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ ومَنْ والاه، واهتَدَى بهداه.

وبعدُ؛ فإذا استقرأْنَا التاریخَ فسوفَ نجدُ قرىً ظالمهً کثیرهً أهلکها اللهُ، ولم یبْقَ منها إلا آثارٌ شاخِصهٌ شاهدهٌ على الظالمین الذین سکَنُوها، قال تعالى ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَکَفَى بِرَبِّکَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِیرًا بَصِیرًا?، وقال تعالى ?کَمْ أَهْلَکْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِینَ مَنَاصٍ?  أی نَادَوْا حِینَ لا یَنْفَعُهُمْ فرارٌ ولا ملجأٌ من ذلک العذابِ الذی عایَنُوه.

–       اللهُ لا یُهْلِکُ القُرَى ظُلْمًا بلْ بسببِ أنفسِهِم وبعدَ أنْ یُقِیمَ علیهم الحُجَّه:

قال تعالى ?وَمَا کَانَ رَبُّکَ مُهْلِکَ الْقُرَى حَتَّى یَبْعَثَ فِی أُمِّهَا رَسُولًا یَتْلُو عَلَیْهِمْ آَیَاتِنَا وَمَا کُنَّا مُهْلِکِی الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ?فلِلْإِهْلاکِ شرطان: أنْ یبعثَ الرسولَ یتلو آیاتِه، فیُکَذَّبَ ویُکْفَرَ به وبما جاء به، وأنْ یظلمَ أهلُ القرى ویعتَدُوا، ومن ثَمَّ لا تکونُ لهم حجَّهٌ بین یدی الله ?وَلَوْ أَنَّا أَهْلَکْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَیْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَیَاتِکَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى?. فإذا رأیتَ تَسَارُعَ الظالمین فی الظلمِ واغترارَهم بالمهْلَه فأَبْشِرْ بِقُرْبِ هلاکِهم، فقد قامتْ علیهم الحُجَّه.

–       الظُّلْمُ أهمُّ أسبَابِ الهَلاک:

حین تطالِعُ آیاتِ القرآنِ ترى أسبابًا متعددهً لإهلاکِ اللهِ لأُمَّهٍ من الأمم، لکنَّ أکثرَ الأسبابِ ورودًا فی القرآنِ هو الظلمُ، بکلِّ صورِه وأنواعِه، وقد جعله اللهُ سببًا لقطْعِ دابِرِ مرتکبیه، فقال ?فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِینَ ظَلَمُوا?.

ولا یترکهم الحق سبحانه حتى یُقِرُّوا على أنفسهم بالظلم، وفی الحدیث: «مَا هَلَکَ قَوْمٌ حَتَّى یُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، قیلَ لابنِ مسْعُودٍ: کیْفَ یکونُ ذلک؟ فقرأَ هذهِ الآیه: ?فَمَا کَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا کُنَّا ظَالِمِینَ?.

وهذا ما ینتظِرُ الظالمین فی کلِّ حِین ?وَلَقَدْ أَهْلَکْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّنَاتِ وَمَا کَانُوا لِیُؤْمِنُوا کَذَلِکَ نَجْزِی الْقَوْمَ الْمُجْرِمِینَ? أی: مثلَ ذلک الجزاءِ بالإِهلاکِ العامِ نجزِی القومَ المجرِمین فی کلِّ زمانٍ ومکانٍ. ولیس الظالمون الیومَ بأکرمَ من سلَفِهِم من الظالمین.

–       یقینُ المُؤْمِنینَ بإِهْلاکِ اللهِ للظَّالِمین:

مضى قضاءُ الله بوعدِه لأهل الحقِّ بإهلاکِ مَنْ ظَلَمَهم وبتوْریثِهم مساکنَ الظالمین، حتى لا یهتَمُّوا بتهدیدِ الظالمین ولا یکترِثُوا بوعیدِهم ?وَقَالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّکُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَیْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِکَنَّ الظَّالِمِینَ. وَلَنُسْکِنَنَّکُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِکَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِی وَخَافَ وَعِیدِ?.

ولذلک فالیقینُ الذی لا یفارِقُ قلوبَ المؤمنین أنَّ اللهَ سیُهْلِکُ الظالمین، وإنْ لم یعلموا متى ولا کیف یفعلُ ذلک، بل ولیس لهم أنْ یقترِحُوا على الله موعدًا ولا کیفیهً، فهو العلیمُ الحکیمُ، والقرآنُ یحدِّثُنا عما جرى بین موسى وقومِه حین هدَّدهم فرعونُ، فکان أول ما واجَه به بنو إسرائیلَ موسى أنْ ?قَالُوا أُوذِینَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِیَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّکُمْ أَنْ یُهْلِکَ عَدُوَّکُمْ وَیَسْتَخْلِفَکُمْ فِی الْأَرْضِ فَیَنْظُرَ کَیْفَ تَعْمَلُونَ?. فهذا هو الیقینُ الذی عند موسى، والذی یجبُ أنْ یملأَ قلوبَ کلِّ المؤمنین.

–       یُهْلِکُ اللهُ الظَّالِمِینَ مِنْ حیثُ لا یشعُرون:

جرتْ سنهُ الله أنْ یکونَ الأخذُ للظالمین من حیثُ لا یشعرون ولا یحتسِبُون، بل ربما أهلکَهم من حیثُ یظنُّون النجاهَ، کما حدث مع قومِ شُعیب، الذین أرسلَ علیهم عَذَابَ یَوْمِ الظُّلَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَیْهِمْ وَهْدَهً (موجه من الحر الشدید) فَأَخَذَتْ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى نَضَّجَتْهُمْ فِی بُیُوتِهِمْ، فَخَرَجُوا یَلْتَمِسُونَ الرَّوْحَ، فَخَرَجُوا مِنْ قَرْیَتِهِمْ، فبَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَیْهِمْ سَحَابَهً حَتَّى إِذَا أَظَلَّتْهُمْ وَاجْتَمَعُوا تَحْتَ ظِلِّهَا، أَسْقَطَهَا عَلَیْهِمْ، فَأَحْرَقَهُمْ».

وقومُ عادٍ لما رأوا الریحَ والسحابَ ظنُّوها خیرًا لهم، و?قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِیحٌ فِیهَا عَذَابٌ أَلِیمٌ. تُدَمِّرُ کُلَّ شَیْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا یُرَى إِلَّا مَسَاکِنُهُمْ کَذَلِکَ نَجْزِی الْقَوْمَ الْمُجْرِمِینَ? وفی الحدیث: «مَا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّیحِ الَّتِی أُهْلِکُوا بِهَا إِلاَّ مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ، فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِیَهِ، فَحَمَلَتْهُمْ وَمَوَاشِیهِمْ، فَجَعَلَتْهُمْ بَیْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِکَ أَهْلُ الْحَاضِرَهِ مِنْ عَادٍ الرِّیحَ وَمَا فِیهَا قَالُوا ?هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا?، فَانْقَلَبَ أَهْلُ الْبَادِیَهِ وَمَوَاشِیهِمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَهِ».

وکان صلى الله علیه وسلم یتخوَّف إذا هاجت الریحُ؛ خشیهَ أن تکونَ مثل الریح التی أهلکتْ عادًا، ویقول کما فی الصحیح  «یَا عَائِشَهُ مَا یُؤْمِنِّى أَنْ یَکُونَ فِیهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّیحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا».

أما بنو النَّضِیر، فقد أهلکهم اللهُ، بعد أنْ حسبوا کلَّ شیءٍ وأخذوا بجمیع الأسبابِ المادیه، حتى اعتقدوا أنه لا أحدَ یستطیعُ أنْ یُخرجَهم من حصونِهم لمتانتها وقوتها، فأخرجَهم من غیر أنْ یُکلِّفَ المسلمین اصطدامًا مسلَّحًا ولاقتالًا ضاریا ?هُوَ الَّذِی أَخْرَجَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مِنْ دِیَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ یَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَیْثُ لَمْ یَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ یُخْرِبُونَ بُیُوتَهُمْ بِأَیْدِیهِمْ وَأَیْدِى الْمُؤْمِنِین فَاعْتَبِرُوا یَا أُولِی الأبْصَار?.

وهذا کلُّه وغیرُه کثیرٌ مما یُطمئِنُ المؤمنین إلى رعایهِ الله لهم وقدرتِه أنْ ینصرَهم بما شاءَ وکیف شاءَ فی کلِّ زمانٍ ومکان، ما التزموا بتعالیم دینه ?وَلَیَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِیزٌ?، بالکیفیَّه التی یشاءُ، وفی الوقتِ الذی یُرید.

–       أَشَدُّ أوقاتِ المِحْنَهِ هی الَّتی تسبِقُ النصرَ للمؤْمِنینَ والإهلاکَ للظَّالِمین: 

أشدُّ فُصولِ المحنهِ خطرًا وأثقلُها وطأهً على نفوسِ المؤمنینَ هی التی تسبِقُ النهایهَ، وإنْ شئتَ فانظر فیما جرَى لقومِ لوطٍ، فقد ضاق قلبُه حین أتاه الملائکهُ ?وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِیءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا یَوْمٌ عَصِیبٌ?.

ولم یکن یعلمُ ولا کان قومُه یشعُرُون أن هذا الفصلَ العصیبَ الأشدَّ هو الفصلُ قبلَ الأخیرِ فی قصهِ الصراعِ بین الصلاحِ والفسادِ، وإذا بالضیوفِ یُبَشِّرونه بنهایهِ القومِ مع الصباح ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَیْسَ الصُّبْحُ بِقَرِیبٍ. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِیَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَیْهَا حِجَارَهً مِنْ سِجِّیلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَهً عِنْدَ رَبِّکَ وَمَا هِیَ مِنَ الظَّالِمِینَ بِبَعِیدٍ?.

وانظرْ إلى دعاءِ النبی صلى الله علیه وسلم یومَ بدرٍ لتعلمَ ضخامهَ الشِّدَّهِ التی کان فیها المسلمون، وهو یَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِی مَا وَعَدْتَنِی، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِی، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِکْ هَذِهِ الْعِصَابَهَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِی الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ یَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا یَدَیْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَهِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْکِبَیْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَکْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْکِبَیْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: یَا نَبِیَّ اللَّهِ کَفَاکَ مُنَاشَدَتُکَ رَبَّکَ، فَإِنَّهُ سَیُنْجِزُ لَکَ مَا وَعَدَکَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ?إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجَابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِکَهِ مُرْدِفِینَ?. فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِکَهِ.

ثم بعدَ هذه الشِّدَّهِ أنزل نصره، وجعل الخِذْلانَ على المجرمین، وانکسرتْ قریشٌ انکسارًا عظیمًا، وجعله الله یومَ الفُرقان.

–       قد تکونُ النهایهُ فی غایهِ القُرْبِ، وظواهِرُ الأمورِ على عکسِها تماما:

قد یکون المؤمنون فی حالهِ تَخَوُّفٍ شدیدٍ من الاستئصالِ، ولا یَدْرُون أنَّ النصرَ أقربُ ما یکون منهم، ففی قصه هلاکِ فرعون وملئِه قال تعالى ?فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَکُونَ. قَالَ کَلَّا إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهْدِینِ?، ومع أنَّ موسى علیه السلام یُوقِنُ بذلک إلَّا أنه لم یعرفْ کیف یتمُّ ذلک، حتى أمره الله أنْ یضربَ البحرَ بعصاه، ولما نَجَوْا وخطَر ببالِه أن یضربَه بعصاه مرهً أخرى لینطبقَ حتى لا یلحقَهم فرعونُ وجنودُه قال له ربُّه: ?وَاتْرُکِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ?.

–       بعد الشِّدَّهِ العظیمهِ والزلزلهِ یکونُ نصرٌ عظیمٌ:

النصرُ الذی یأتی به اللهُ بعد زلزلهٍ وشِدَّهٍ للمؤمنین یکون نصرًا عظیمًا قلیلَ الکُلْفهِ عظیمَ الأثر، وانظُر إلى النصرِ بعد الزلزلهِ فی غزوهِ الأحزابِ، کیف کان نصرًا بدونِ إراقهِ قطرهِ دمٍ مسلمهٍ، وکیف کانت نتیجتُه عظیمهً بالتخلُّصِ من الیهودِ، وبإعلانِ انتهاءِ خطرِ غَزْوِ المدینهِ من قِبَلِ أیٍّ کان، وقال النبی صلى الله علیه وسلم « الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا یَغْزُونَا»، وقال الله تعالى ?وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِغَیْظِهِمْ لَمْ یَنَالُوا خَیْرًا وَکَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتَالَ وَکَانَ اللَّهُ قَوِیًّا عَزِیزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِینَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مِنْ صَیَاصِیهِمْ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِیقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِیقًا. وَأَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَدِیَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرًا?.

وانظُر إلى النصرِ الذی منَّ اللهُ به على بنی إسرائیل بعد ما لاقَوْا من بلاءِ فرعون، کیف کان نصرًا عظیمًا للغایه، حتى ورِثُوا بلادَ الشام، ومن بعدها مصرَ، فی الوقتِ الذی دمَّر اللهُ فیه ما کان یصنعُ فرعونُ وقومُه ?وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِینَ کَانُواْ یُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا وَتَمَّتْ کَلِمَتُ رَبِّکَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِی إِسْرَآئِیلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا کَانَ یَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا کَانُواْ یَعْرِشُون?.

–       متى یحصُلُ الهَلاکُ للظّالِمِین:

مع أنَّ المؤمنَ یتمنَّى أنْ یُعَجِّلَ اللهُ العذابَ للظالمین، فإنَّ الآیاتِ والأحادیثَ تبیِّنُ لنا أنَّ لِعَذابِ الله میعادًا لا یعلمُه إلَّا هو، ولا یُعْجِلُه عن ذلک عَجَلَهُ المؤمنین ولا إحساسُهم بشِدَّهِ الوَطْأهِ، فإنَّ حِکْمتَه اقتضتْ أنْ یُنْزِلَ عذابَه بالظالمین فی وقتٍ هو یعلمُه ?وَمَا أَهْلَکْنَا مِنْ قَرْیَهٍ إِلَّا وَلَهَا کِتَابٌ مَعْلُومٌمَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّهٍ أَجَلَهَا وَمَا یَسْتَأْخِرُونَ? أی: لهلاکِها أجلٌ مُوَقَّتٌ قد کتبْناه لهم، لا نُعذِّبُهم ولا نُهلِکُهم حتى یبلغوه، فلا یَنْزِلُ بهم قبل موعده ولا یتأخر عنه ?وَرَبُّکَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَهِ لَوْ یُؤَاخِذُهُمْ بِمَا کَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ یَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا. وَتِلْکَ الْقُرَى أَهْلَکْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِکِهِمْ مَوْعِدًا? أی: وقتاً معیّنًا لا مَحِیدَ لهم عنه، فلیس ما یراه الناسُ من التأخیرِ إهمالًا لهم ولا عفوًا عنهم ?وَکَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ أَمْلَیْتُ لَهَا وَهِیَ ظَالِمَهٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَیَّ الْمَصِیرُ? ومعناه: أنَّ اللهَ تعالى یُنْظِرُهم ویُمْهِلهُم ثمَّ یأخذُهم أَخْذَ عزیزٍ مُقْتَدِر، وفی الصحیحین: «إِنَّ اللهَ لَیُمْلِی  لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ یُفْلِتْه». ثم قرأ ?وَکَذَلِکَ أَخْذُ رَبِّکَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِیَ ظَالِمَهٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِیمٌ شَدِیدٌ?.

صحیحٌ أنَّ کثرهَ المظالم تُوحِی باقترابِ أَخْذِ اللهِ للظالمین، لکن قد یمدُّ الله للظالمِ فی الأسبابِ حتى یستکثرَ من الظلمِ ?وَالَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَیْثُ لَا یَعْلَمُونَ. وَأُمْلِی لَهُمْ إِنَّ کَیْدِی مَتِینٌ?، وقد تکرَّر استکبارُ فرعونَ وادعاؤُه الألوهیهَ، واقترفَ من الجرائمِ والعظائمِ الکثیرَ قبلَ أنْ یُغرقَه الله تعالى. فثِقُوا باقترابِ نصرِ الله وأنتم تروْن تتابُع الانقلابیِّین فی الظلم.

–       کیْفَ یأخُذُ اللهُ الظَّالِمِین:

مما اختصَّ اللهُ تعالى نفسَه به: تحدیدُ الکیفیَّهِ التی یُعاقِبُ بها الظالمین، فقد أخذ عادًا بعذابٍ، وثمودَ بعذابٍ، وفرعونَ بعذابٍ، وهکذا ?فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِکُوا بِالطَّاغِیَهِ. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِکُوا بِرِیحٍ صَرْصَرٍ عَاتِیَهٍ?، وقال تعالى ?فَکُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَیْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّیْحَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا کَانَ اللَّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَلَکِنْ کَانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ?. فلا تشغلْ نفسَک بالکیفیهِ التی سیأخذُ بها الظالمین، لکن کنْ على تمامِ الثقهِ بأنه سیأخذُهم.

–       الدعوهُ للنَّظَرِ فی مصائرِ الهالِکینَ للاعتِبار:

حتى لا یکونَ لأحدٍ حجَّهٌ بین یدی الله تعالى فإنَّ الله دعا الخلقَ أن ینظروا فیما جرى للظالمین مِنْ قبلِهم، ویتأمَّلُوا سننَ الله فیهم ?أَلَمْ یَرَوْا کَمْ أَهْلَکْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَکَّنَّاهُمْ فِی الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَکِّنْ لَکُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَیْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَکْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِینَ? أی: جعلناهم قادرِین من حیثُ القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فی الأرضِ ما لم نجعلْه لکم من القوهِ والسَّعهِ فی المالِ والاستظهارِ بالعَدد والأسبابِ، فمن العجَبِ أن تمشُوا فی مساکنِهم، وتَرَوْا ما حلَّ بهم، ولا تعتبِروا بما حصل لهم ?وَلَقَدْ أَهْلَکْنَا أَشْیَاعَکُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّکِرٍ?.

وحتى لا یتصوَّرَ أحدٌ أنَّ الهلاکَ کان للسابقین فحسبُ؛ فإنَّ القرآنَ العظیم یؤکد أن سننَ الله ماضیهٌ فی کلِّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهم ?أَلَمْ نُهْلِکِ الْأَوَّلِینَ. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِینَ. کَذَلِکَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِینَ? أی: تلک سنهُ الله فی معاملهِ المجرمین، فلا محیصَ للظالمین عنها، فلْیَطمئنَّ المؤمنون بالًا ولْیَثِقُوا بأنَّ ظالمیهم لیسوا استثناءً من قانون الله، وسیهلکُهم فی المیعادِ الذی حدَّده سبحانه.

–       إِهْلاکُ مَنْ کانَ أَشَدَّ منَ الظَّالِمِینَ الحَالِیِّین:

فی کلِّ جیلٍ یتصوَّرُ الظالمُون الجدُدُ أنهم استثناءٌ من قانونِ اللهِ تعالى فی إهلاکِ الظالمینَ، فجاءت الآیاتُ توضِّحُ أنَّ اللهَ قد أهلک السابقین، ممَّنْ کانوا أکثرَ وجاههً، أو أشدَّ قوهً، أو أعظمَ بأسًا، أو أشدَّ بطشًا، فقال تعالى ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْیًا?، فلم یحْمِ هؤلاء من نزولِ عذابِ الله فیهم عُلُوُّ طبقتِهم الاجتماعیهِ التی یدُلُّ علیها حُسْنُ أَثاثِهم، وحُسْنُ مَظْهرِهم وشارَتِهم وهیئَتِهم، ولم تُغْنِ عنهم مکانتُهم الاجتماعیهُ شیئًا عندَ الله.

وهدَّد اللهُ تعالى کفارَ مکهَ بأنَّ الأممَ الماضیهَ کانت أشدَّ منهم بطشًا وقوهً، وأکثرَ منهم عددًا وأموالًا وأولادًا، فلمْ یحْمِهم ذلک من عذابِ الله ?فَأَهْلَکْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِینَ?.

کما أهلکَ القرى التی هی أقوَى من أهلِ مکه، ولَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَکَّهَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجلَّ عَلَیه ?وَکَأَیِّنْ مِنْ قَرْیَهٍ هِیَ أَشَدُّ قُوَّهً مِنْ قَرْیَتِکَ الَّتِی أَخْرَجَتْکَ أَهْلَکْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ?.

وقد بحثَ السابقون وفتَّشُوا فی البلادِ علَّهم یجدونَ مهربًا من الهلاکِ فلم یجدوا ?وَکَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِی الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِیصٍ?، وهل یمکنُ الفِرارُ من الله إلَّا إلیه؟ لو کانوا یعلمون.

وإذا کان الظلمهُ الجددُ یتصوَّرون أنهم قد امتلکُوا کلَّ أسبابِ القوهِ، فقد ضرب اللهُ لهم مثلًا بمن قبلهم ?وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ کَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى?، فقد دعاهم نوحٌ ألفَ سنهٍ إلا خمسین عامًا کلما نشأَ قرنٌ کان أظلمَ من سابِقِه، حتى کان الرجلُ یأخذُ بید ابنِه فیحذِّره منه؛ تتابعًا فی الضلاله ? وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکَافِرِینَ دَیَّارًا. إِنَّکَ إِنْ تَذَرْهُمْ یُضِلُّوا عِبَادَکَ وَلَا یَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا کَفَّارًا?، ولکنَّ طولَ مُدَّهِ المحنه لا یعنی الإهمالَ ولا إفلاتَ الظالمِ على الإطلاق ?وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا یَعْمَلُ الظَّالِمُونَ?. فلا تَبْتَئِسْ بما تَرى من مظاهرِ قُوَّه الظالمین، فإنهم لنْ یُعجِزوا الله شیئا.

–       وفی الختام:

فإنَّ اللهَ لا یعْجَلُ بعجلهِ أحدِنا، بل یُوصِی نبیَّه والمؤمنین بالصبرِ وعدمِ الاستعجالِ، والیقینِ بهلاکِ الفاسقین ?فَاصْبِرْ کَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ?، وذلک ما یجبُ أن یکونَ علیه الثوارُ الأحرارُ الذین یخوضون معرکهَ الحریهِ والکرامهِ مع الانقلابیینَ الدمویینَ المفسِدین، بالصبرِ الجمیلِ، والسلمیَّهِ المبدِعهِ، والوحدهِ الجامعهِ، والثقهِ الکاملهِ فی نصرِ اللهِ للحقِّ الذی یحملونَه، والأملِ الواسعِ فی النصرِ العزیزِ المرتقبِ ?وَیَوْمَئِذٍ یَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ یَنْصُرُ مَنْ یَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِیزُ الرَّحِیمُ?.
——–
سبق نشره فی “إخوان أون لاین” فی ۴ مارس ۲۰۱۴

برچسب ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

دکمه بازگشت به بالا