معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> المحن علمتنا الكثير

المحن علمتنا الكثير

المحن علمتنا الكثير

د. محمود عزت

– التضحية والابتلاء من سنن الدعوات

– نرفض الفوضى والثورة والعمل المتعجل

 حوار:
الزهراء أمير بسام

الابتلاء سنة الدعوات من قديم الأزل، ولكن
أن تصبح مكونًا رئيسًا للحركة الإسلامية وناشطيها فهذا ما يطرح التساؤلات، بل
والشبهات حول جدوى العمل الإسلامي في ظل هذه الابتلاءات، وهل فعلاً يستعذب الدعاةُ
الابتلاءَ ويسعون له؟ أم أنه يُفرَض عليهم فرضًا ويحاولون استثماره كأمرٍ واقعٍ
والتعايش معه بكل ما فيه من آلام؟ وهل هذه الابتلاءات تُعرقل مسيرة العمل أم تدفعه
للأمام؟ وأليس من الممكن العمل والإنجاز دون التعرض للابتلاءاتِ؟ وما مدى تأثيرها
على مستقبل العمل الإسلامي ككل؟.

طرحنا تساؤلاتنا على واحدٍ ممن تعرَّضوا
وعايشوا هذه المحن.. إنه الحارس الأمين على فكر الإخوان المسلمين كما يُطلق عليه
بعض المهتمين بالشأن الإخواني لكثرةِ تعرُّضه للابتلاءاتِ ولثباته على مبادئه رغم
كل ما تعرَّض ويتعرض له.

التقينا مع الدكتور محمود عزت عضو مكتب
الإرشاد والأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين في هذا الحديث.. فإلى التفاصيل:

 

* سبق أن تعرضتم لمحاكمتَين عسكريتين عامي 1965م,
1995م, فما ظروف الاعتقال في المحاكمة الأولى?

 

** في اعتقال 1965م كنتُ طالبًا بالفرقة
الرابعة بكلية طب جامعة عين شمس، وكنا نسكن في حي “مصر الجديدة”،
وبطبيعة شباب هذه الأحياء كان لدي أسلوب حياة خاص ومستوى معين من الأكل والنوم
وغيرها.

 

 وذلك
على الرغم من أن الإخوان كانوا دائمًا ما يعدوننا لمثل هذا الموقف ويربون فينا
معاني التضحية والثبات, إلا أنَّ مواجهةَ الاعتقال والتعذيب والاستبداد الذي كان
يجري على الإخوان في تلك المرحلة أمر مختلف تمامًا؛ لذا فقد كان يتملكني في بداية
الاعتقال شعوران:

 

الأول: شعور بالمسئولية تجاه الدعوة، وكيف
لها أن تنهض بعد هذه المحنة، خاصةً أن الأوضاعَ الدينية في مصر حينها كانت سيئة،
فلم يكن لدى الشباب أية مشاعر تدفعهم للذهاب إلى المسجد والتدين؛ ولذلك كان خوفي
على الدعوة شديدًا.

أما الشعور الثاني: فهو الإشفاق على نفسي،
ولكن كان من لطف الله بي أن جعل ما بيني وبين خارج أسوار السجن “حجابًا”
فلم يكن يشغلني ما حُرمت منه، ولا كيف سيكون حالي بعد خروجي من المعتقل، وإن خرجت،
وكان أهم ما يشغلني هو كيفية استفادتي من الوقت الذي سأقضيه في المعتقل، وبالفعل
أعددتُ برنامجًا خاصًّا بي للارتقاء بنفسي في مختلف الجوانب.

 

 استثمار
الاعتقال

 

* كيف رأيتَ العمل الإسلامي بعد خروجك من
المعتقل؟

** عند ذهابي أول مرة إلى الجامعة بعد خروجي
من المعتقل عام 1974م وجدت نسبة عالية من التدين بين الشباب ولمست غيرتهم على
الدين ورغبتهم في العمل له، كما لفت نظري هذا المسجد الكبير بداخل كلية الطب،
بالإضافةِ إلى مسجد النور بجوارها الذي بُني بسواعد شباب الدعوة الإسلامية، ثم
ظهور الحجاب بين الفتيات ولم تكن هناك مُحجَّبة واحدة.

 

إن الإخوان يعون تمامًا أن الثبات نعمة من
الله تعالى على الإنسان، فشكر هذه النعمة يقتضي الإحسان, فمَنْ مَنَّ الله عليهم
بالثبات يكونوا مطالبين بمستوى أعلى بكثيرٍ في المراتِ التالية من الابتلاء،
فالبداية تكون بإشفاقٍ على النفس, ثم يكون بعد ذلك الإحسان حتى ننال الثواب من
الله عزَّ وجل.. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ
بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ
عَظِيمٌ (172)﴾ (آل عمران)، وهذه حقائق لامسناها وعايشناها عن قرب.

 معية
الله

* هناك مواقف تستشعر بها معية الله، خاصةً
في محنة الاعتقال، فهل تذكر لنا شيئًا من تلك المواقف؟

 

** الإنسان عامةً بغير معيةِ الله ضعيف، فكل
المواقف التي مرَّت بي استشعرتُ فيها معيةَ الله ورحمته؛ لأنه لا يوجد أحدٌ يستطيع
أن يتحمَّل أدنى درجاتِ الظلم بغير تثبيتٍ من الله عزَّ وجل؛ لأنَّ المسألةَ هي
وقع الظلم على النفس، فأحيانًا يكون الحدث جلل ولكن بلطفِ الله تتقبله النفس بصبرٍ
وثباتٍ، والعكس صحيح.

 

أذكر أنه في عام 95 كان معنا شاب يُدعى “حامد
المداح”، وحامد هذا لم يكن من الإخوان المعروفين في الإسكندرية وإنما كان شاب
غيور اشتبك مع أحد رجال أمن الدولة أثناء استيلائهم على أحد المساجد التي بها نشاط
للإخوان، فما كان من هذا الضابط إلا أن أقسم له بأنه سيُدخله أول محاكمةٍ عسكريةٍ
للإخوان، وبالفعل دخل معنا في هذه القضية, وذات مرة كان عليه الدور لإلقاء خاطرة, وكانت
أقصر الخواطر وأبلغها أيضًا، فقد قال: “كأنَّ ربنا قال للسجن: يا سجن لا تكن
سجنًا على الإخوان”.

 

 * يرى
البعض أن الاعتقالاتِ المتكررة للإخوان تزيد من تعاطفِ الشارع المصري مع الإخوان،
وربما تدفع البعض للانضمام إلى الجماعة تعاطفًا لا قناعةً، ألا يؤثر ذلك على
نوعيةِ الأفراد داخل الجماعة؟

** من طبيعة الإسلام والتي يتمثلها في الوقت
الحالي الإخوان المسلمون أن يتربى الأفرادُ على العزةِ والرجولة والثبات؛ لذا نجد
أنَّ الله عزَّ وجل يصفهم بقوله تعالى: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

 

 

 

فالإسلام يجعل العزةَ بالاتصال بالله تعالى،
مهما كانت الظروف المحيطة بالدعوة، يقول تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران).

الأمر الثاني: طبيعة دعوة الإخوان المسلمين,
فقد كان الإمام البنا حريصًا على تربية الأخ المسلم ليكون قدوة عملية ومثلاً أعلى
للجميع، ويكون قدوته في ذلك الرسول- صلى الله عليه وسلم-, فاهتم بالصفات النفسية
للأخ المسلم من إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا
غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له.

لذلك فعندما وجد الناس نماذج عملية من
السيرة النبوية تعيش معهم وحريصة عليهم، انجذبوا لهم ورأوا ثباتهم وصبرهم فتعاطفوا
معهم، ومما لا شك فيه أن الاعتقالات يكون لها أثر إيجابي وآخر سلبي على الشارع
المصري.

الأثر الإيجابي: أن الناس يرون نموذجًا
وقدوةً لإنسان يعمل لدعوةِ الله عز وجل فيُبتلى ويصبر ويُمتحن فيثبت؛ مما يدفعه
لأن يبحث عن هذه الدعوة لأنها قد قدمت له أسوةً وقدوةً بأفرادها مما يساعد على
انتشار دعوة الإخوان المسلمين.

أما الأثر السلبي: وهو أن جزءًا كبيرًا من
الناس يصرفه الاعتقالات عن الدعوةِ بسبب الخوف من مصاعبها وعدم القدرة على تحمُّل
تبعاتها، وهذه الأكثرية.

 ولذلك
فإنَّ مَن يُقبل على الدعوةِ في ظلِّ هذه الاعتقالات والمصاعب يكون على درايةٍ
وقناعةٍ تامة لتبعاتِ الطريق، وهذه النوعية على استعدادٍ أن تُضحي من أجل رفعةِ
الإسلام والمسلمين، أما التربية فتأتي في مراحلها الطبيعية بعد الإعجابِ والبحثِ
والاقتناع، فالتزكية والتضحية وإلزام النفس بالأخلاقيات والسلوكيات وغيرها من
المعاني تأتي بمرورِ الوقت.

 

الدعوة ولاَّدة

* الاعتقالات والمحاكمات العسكرية هي وسيلة
النظام لإضعاف الجماعة من الداخل وإلى تخويفِ الخارج, فهل أثَّرت تلك الاعتقالات
على إعدادِ الصف الداخلي وقوته؟

 

** عقب كل محنة تزداد أعداد المتعاطفين
عشرات المرات، فعندما نرى المحنة الأولي عام 1948م ورجوع المجاهدين من فلسطين إلى
المعتقلات، وتلاها استشهاد الإمام عام 1949م عاش الإخوان فترةً عصيبةً وتنبَّأ
الجميعُ بالنهايةِ لهم، وما لبث أن عادَ ذكر الإخوان ثانيةً أقوى وأشد، وجاء
المرشد الثاني للإخوان “حسن الهضيبي”، وانتشر الإخوان انتشارًا واسعًا
داخل مصر وخارجها حتى إنَّ التأييدَ الجماهيري للثورة جاء كردٍّ للجميل من قِبل
الشعب للإخوان.

 

وكذلك في محنة 1965م لم يكن أحدًا من الشباب
يعرف الإخوان، بل لم يكن أحد يسمع عنهم، وجاءت محاكمة 1965م وحُوكم فيها الإخوان،
واستشهد منهم البعض، فكانت النتيجة أنه في عام 1968م قامت أول مظاهرة في مصر في
عهد عبد الناصر عقب النكسة، وكان بها شباب لم يروا الإخوان، ولكننا وجدنا من
مطالبهم في المظاهرات الإفراج عن الإخوان المعتقلين.

 

 أما
بالنسبة للصف الداخلي للإخوان، فلم أرَ أنَّ أحدًا من الإخوان كان سبب اعتزاله
سخطًا على الإخوان, حتى مَن تعرَّضوا لأقسى درجاتِ الإكراه، نجدهم معطاءين للدعوة،
حسب استطاعةِ كلِّ منهم.

 

وهذا لا يعني أنه لم يضعف أحدٌ وإنما كانت
نسبة ضئيلة تلك التي تفلت؛ ولذلك عندما ننظر إلى الذين لم يدخلوا السجن أو لم
يعتقلوا إلى مَن هم في عافية، ومَن تعرضوا للمحن والابتلاءات, نجد أن نسبةَ عطاء
الآخرين للدعوة أكثر من الأولين.

 

أما كون الاعتقالات تُؤثِّر على الصف؛ حيث
إنها قد تحرمه من طاقاتٍ بشرية، فهذا صحيح، ولكن بفضل الله تمتاز دعوتنا بأنها
دعوة ولودة ومتجددة.

 

أخوة وتماسك

* قال أحد أبناء المعتقلين “ما غاب عنا
إلا وجه أبينا”، في إشارةٍ إلى دور الإخوان معهم، فهل هناك منهج تتبعه
الجماعة مع أبناء وأسر المعتقلين للحفاظ على كيان تلك الأسر؟

 

** قال أحد رجال الثورة لأخ معتقل عام 1965
“هل تعتقدون أنكم ستخرجون زعماء؟؟، لا، إنكم ستخرجون “مكسحين” وأولادكم
سوف يفسدون وكذلك زوجاتكم”، وقد جعلوا رعاية أسر المعتقلين في ذلك الوقت
تهمةً يُعاقب عليها مرتكبها، حتى إنَّ البعضَ قد حُكم عليهم بالمؤبد لرعايتهم أسر
المعتقلين عام 55، وأيضًا كان الجيران يتجسس بعضهم على بعض في هذا الشأن، وكل هذا
لم يمنع من رعاية أسر المعتقلين من الإخوان.

 

فالإخوان يمتازون بالتآلف فيما بينهم وتشيع
فيهم روح التعاون والإخاء؛ لذا فأسر الإخوان تبدي اهتمامًا ورعايةً بأسر المعتقلين
كجزءٍ من حقوق الأخوة فيما بينهم.

وكذلك من طبيعة الشعب المصري والذي يتعاطف
كثيرًا مع أسر المعتقلين ويبدي اهتمامًا زائدًا بهم، أذكر أنه عند اعتقالي عام 1995م
كان أحد أبنائي في المرحلة الابتدائية، وكان متأثرًا بدرجة كبيرة لهذا الاعتقال،
ولكنه وجد اهتمامًا من الجميع، من مدربه بالنادي وأستاذه بالمدرسة وأيضًا الجيران،
وكانوا جميعهم من غير الإخوان، فساهم هذا بشكلٍ كبيرٍ في عبوره لهذه الأزمة
واجتيازه منها بسلام.

 

 * ما
رؤيتكم بالنسبة للمستقبل الدعوي لجماعة الإخوان المسلمين، وما هي آليات التطور القادمة
في الأسلوب الدعوي؟

 

** في مرةٍ قال لي أخونا “أحمد عبيد”،
وكنا معًا في سجن قنا “دعوة الإخوان مثل الماء ينساب برقة وعذوبة فإذا ما
وجدت حجرة تعترض طريقها لا تقف أمامها وإنما تسير من حواليها وعن جوانبها، وتظل
تنساب وتنساب حتى تصل إلى مرحلة حيث لا يقف في مجراها شيء”.

ونجد الآن أن مَن يوجه الضربات للدعوة سواء
كان عدونا الأمريكي الصهيوني المتحالف مع الغرب ومدعومًا من الأنظمة العربية، أو
من الداخل موقفه ضعيف تمامًا، وأن هذه الضربات التي توجه إنما هي ضربات تخبط؛ لأن
العدو الأمريكي أوجع بالمقاومة في العراق وأفغانستان على الرغم من عشوائيتها،
وكذلك المنحنى الصهيوني بعد أن كان متصاعدًا يستولي على الأراضي ويخطط لشرق أوسطٍ
كبير، نجده الآن يحاول تفادي ضربات المقاومة ببناء الجدر فالمنحنى الأمريكي
والصهيوني آخذ في الانخفاض في مقابل المنحنى الدعوي المتصاعد، رغم كل ما يحدث حتى
وإن طرأت بعض المؤشرات السلبية مثل أن يكون لنا 88 نائبًا في مجلس الشعب، بينما لا
نحصل على أي مقعدٍ في الشورى وغيرها من المظاهر التي تبدو سلبيةً إلا أن المنحنى
في عمومه متصاعد وآخذ في النمو.

كما أننا متأهبون لمعركةٍ فاصلةٍ مع عدونا
الأساسي، وهم الصهاينة ومَن عاونهم، وكذلك موقنون أن تلك الأنظمة العربية المستبدة
إلى زوال أيًّا كان وضعها الحالي، بينما نجد الإسلام ينتشر في ربوع أوروبا نفسها،
فعمر الدعوات لا يقاس بالسنوات القليلة فمن الجائز أن تستمر الضغوط الخمس أو الست
سنوات القادمة، لكن على المستوى البعيد، نجد أن أمريكا تضعف والصهاينة قد بدأوا
منحنى النهاية، فمستقبل دعوة الإخوان، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد:
من الآية 17)، فنحن نحمل ما ينفع البشرية بأكملها ونحن ماضون في طريق الإصلاح مهما
كلَّفنا من تضحيات؛ لأن هذا هو طريق الدعاة.

 

شبهات وردود

 

* يُقال إن الإخوان يضحون بكل شيءٍ
ويستعذبون الابتلاء ويركزون في التربية على ثقافة الابتلاء، فما رأيكم في ذلك؟

 

** الفرد في الإخوان معلي من قيمته، قال
الإمام البنا “لو هناك عدة طرق توصلني إلى هدفي بكل منها تضحيات، لاخترت ما
يوصلني إلى هدفي بأقل تضحية”.

 

 الصورة غير متاحة

 

 فأنا
كنت في الواحد والعشرين من عمري عندما اعتقلت عام 1965م وعندما كنا نجري في طوابير
التعذيب كان الأخ الذي يليني، وكان أكبر مني سنًا حينما يأتي دوري أجده قد وقف
بجانبي ليتلقى هو الضربات بدلاً عني، وأذكر أن الحاج “توفيق عبد الباري”
كان يأكل لقمتين ويترك الباقي لإخوته في وقتٍ كنا نجري وراء “الكلب” لنأخذ
منه لقيمات.

 

 

 

فالإخوان يقدرون أفرادهم ويخافون عليهم ولا
يمكن أبدًا أن نُضحي بأحدٍ منهم؛ لأنهم أعز علينا من أنفسنا، ولكن لطريقِ الدعوة
تبعات وتضحيات تُفرض علينا فرضًا قيادةً وجنودًا فندفع الضريبة ونحن نحتسبها عند
الله.

 

* ألا يمكن للدعاة تجنب هذه الابتلاءات؟

 

** نحن خاضعون لسنن الله عز وجل، فالله
تعالى يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا
يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت)، فأي صاحب دعوة لا بد أن يبتلي، ونحن نمضي في سنن
الله ونستعين بعضها على بعض، أما أن يتصور أحد أن هناك طريقًا لا أؤذي فيه وأنا
صاحب دعوة، فهذا تصور سقيم، كما أنه من كتب له الإيذاء في بدنه، سيؤذى.. سواء كان
ذلك بكرباج أو مرض. كما أن الإخوان يعطون الفرد الزاد الذي يجعله يحتمل ما سيواجهه
بإذن الله. فعندما دخلت الاعتقال 1965 وجدت زميلاً لي في الثانوية وكان مسجونًا
على أثر جريمة عسكرية ارتكبها عام 1967، فكنت صابرًا محتسبًا بينما وجدته جزعًا
ساخطًا على نفسه وحاله.

 صمام
أمان

* في ظل تطور أسلوب المواجهة وتحوله إلى
المحاربة في الأرزاق، ألا تخشون من الانحراف الفكري؟

 

** نعم ما يحدث قد يؤدي إلى عواقب وخيمة،
ليست من صنعنا وإنما من صنع مَن ارتكبوا هذه الجرائم ما حدث في اعتقالات 1965م،
فقد تم الزج بالآلاف من الإخوان والعلماء والمربين في غياهب السجون منعزلين عن
الحياة فحرمت الأمة القدوة والعلم معًا؛ لذلك عند خروجنا عام 1974م كان أخطر ما
يواجه الدعوة هو هذا الانحراف الفكري عند الشباب الذين حرموا التوجيه من خارج
السجن.

 

أما الآن فالإخوان بفضل الله متفاعلون مع
المجتمع رغم أن السجون لا تفرغ من مئات منهم، كما أن قيادات الإخوان حريصون على
مناقشة شباب الجماعة وتوجيههم وردهم عن أي انحراف، واستثمار طاقاتهم في خدمة
المجتمع والأعمال النافعة؛ لذا نجد شبابنا في المظاهرات والمسيرات لا ينطق بكلمات
نابية أو يكسر حتى فرع شجرة، فلا يمكن أبدًا أن نرضى بالفوضى ولا الثورة ولا العمل
المتعجل، ولا يمكن إطلاقًا أن نجعل المعركة بيننا وبين أهلنا سواء الشرطة أم
الجيش، والحقيقة الواقعة هي أن الإخوان- بفضل الله- هم صمام الأمان لهذا الشعب.

* بعد ما تعرضت له الجماعة من محنٍ
وابتلاءات، ألا يمكن أن تكون هناك مراجعات لتغيير منهج التربية كطريقٍ طويلٍ يحمل
الكثير من التبعات؟؟

 

** ماذا يستطيع أن يفعل الداعية غير أنه
يصلح نفسه ويدعو غيره، فالتربية تشمل عموم الحياة، المسألة أن هناك خللاً في مفهوم
التربية وليس في التربية ذاتها، فعلى مَن يقل ذلك أن يعطينا بدائل غير التربية،
أما أن نقول بالفصل ما بين الدعوي والسياسي، وأن تكون المظاهرات والاعتصامات هي
منهجنا فهذا لا يمكن قبوله.

 

ومما أثلج صدري، أنه عند اعتقالي عام 2006م
على إثر التعديلات الدستورية تناقشت مع عددٍ من الشباب المعتقلين على خلفية
المظاهرات التي قامت من أجل رفض التعديلات وسألتهم “ماذا كانت نيتك عند خروجك
من بيتك للوقوف بتلك المظاهرات؟؟” فوجدت أن حركتهم السياسية ليس مبتوتةً عن
تقواهم لله عز وجل.

 

فالتربية في الجماعة تكون على أسس الإيمان
والثبات ليكون الفرد قدوةً؛ ولذلك عندما نقول إننا سنشارك في المحليات، فهذا أولاً
من أجل الله سبحانه وتعالى كجزءٍ من عقيدة المسلم الثابتة، بالإضافةِ إلى أن هذا
من شمولية الإسلام، فدخولنا الانتخابات من باب نفع الناس امتثالاً لقوله- صلى الله
عليه وسلم-: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعان
وجاره جائع وهو يعلم” فأنا أقدم نموذجًا عمليًّا للتضحية، فأنا كأخ مسلم
أتصرف على أساس أن كل شيء بحياتي مربوط بالله عز وجل، كما قال عز وجل ﴿قُلْ إِنَّ
صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).

 

 رسائل
دعوية

* رسالة توجهونها لشباب الدعوة الإسلامية.

** أقول لهم عليكم بالصبر والحكمة وألا يكون
ما تلاقونه حاليًا من ظلم وتعنت سببًا لعزوفكم عن العمل لنهضة بلدكم؛ لأن مشاركتكم
في المناشط الدعوية كانتخابات المحليات تأتي من أجل الإسلام، فسيدنا يوسف عندما
سجن لم تكن قضيته سياسية وإنما كانت لأنه “عفيف” وقوم لوط لم يخرجوا
سيدنا لوطًا لنزاع على السلطة، وإنما قالوا ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56)، فنحن
حاليًا في ظل المحاكمات العسكرية والمحليات وأحداث غزة نعمل من أجل الإسلام
بمفهومنا الشامل له، فليفعلوا إذا ما شاءوا فلن نتراجع وسنبقى دائمًا في طليعة هذه
الأمة، واعلموا أنه أينما وجد الأخ الصالح وجدت معه أسباب النجاح.

* ما الرسالة التي توجهونها إلى الإخوان
المحالين إلى الحاكمة العسكرية؟

** أقول لكم إنَّ الله جعلكم أسوةً وقدوةً
بصبركم وثباتكم والتزامكم الحق، فأنتم فد رفعتم راية الدعوة وراية الإسلام، وأنكم
بتعلقكم بالله عز وجل وتعاليكم على كل أسباب الأرض وثقتكم بالله عز وجل، قد قدمتم
للأمة نموذجًا عاليًا، وضربتم مثلاً للجهاد بالنفس والمال، ففي المحن السابقة
للجماعة كان الابتلاء في النفس فقط ولكم يبقى الأخ مطمئنًا أنه متى خرج وجد عمله
ومكان رزقه موجودًا، ولكن هذه المرة الأمر مختلف وهذا شيء عزيز على النفس.. نسأل
الله تعالى أن يحقق بهم القدوة والأسوة وينطبق عليهم قوله تعالى ﴿فَانْقَلَبُوا
بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (آل عمران: من الآية 174).

 

 ولأسرهم:
تعلقوا بالله عز وجل، فإن كان الابتلاء شديدًا فالأمل في الله سبحانه هو القادر
ولنعي تمامًا قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ
مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: من الآية 27).

أما باقي إخواننا المعتقلين في سجون الظلم
فأقول لهم:

إن هذه سنة الله عز وجل وأحسب أن كلاًّ
منكم، كان مستعدًا لمثل هذا الابتلاء، فاعتصموا بالله عز وجل، واصبروا وصابروا
ورابطوا، وحافظوا على القرآن والمعاملة الحسنة لكل مَن حولكم، وستجدون رحمات الله
تتنزل بكم، وعلى الرغم من المشقة التي تلاقونها ستذكرون هذه الفترات بالذكرى
الحسنة، ففي مثل هذه الأوقات يفيض الله سبحانه وتعالى على الإنسان بمعاني كان من
غير الممكن أن يدركها بغير هذه الشدة وأذكركم أن دعوة المظلوم يرفعها الله من فوق
الغمام، ويستجيب لها ولو بعد حين، وقريبًا إن شاء الله نراكم بيننا.

 ولعموم
إخواننا أقول:

قدروا المهمة التي حباكم الله بها وهداكم
إليها، فلم يبق مَن يقود هذه الأمة إلى الخير غير الإخوان المسلمين ومن كان على
نهجهم ممن نعرفهم أولاً نعرفهم صحيح أنكم ما زلتم قلة ولكن هذه سنة الله في أرضه،
فأعدوا أنفسكم فالمهام عظيمة، فواجباتنا كثيرة وأوقاتنا قليلة، والواقع فيه من
الفرص أكثر من العقبات، وفي كل عقبة تكون هناك فرصة لاستثمارها.

﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
وسلم.

المصدر : اخوان ان لاین

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس