معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> لنعاهد الله على قيام رمضان

لنعاهد الله على قيام رمضان

لنعاهد الله على قيام رمضان

بقلم: أحمد زهران

من خصائص شهر رمضان أنه شهر القيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" (رواه البخاري ومسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفُر له ما تقدم من ذنبه" (رواه البخاري ومسلم).

ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتفي برمضان احتفاءً خاصًّا، فورد أنه "إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد مئزره" (رواه البخاري ومسلم)، بل إنه- صلى الله عليه وسلم- جعل الصبر على القيام حتى خروج الإمام من مسجده بمثابة قيام ليلة كاملة، فقال: "من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وظل قائمًا أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، تقول السيدة عائشة (رضي الله عنها) لرجل: "لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو قالت: كسل صلى قاعدًا" (أخرجه أبو داود).

 

والقيام خُصَّ بالليل؛ لأن الليل محراب الخاشعين، وروضة المستغفرين، وأنس المحبين، ومطلب الراجين، ومنهل أهل التقوى أجمعين.

 

والليل أوقات، ولكل وقت درجات: "فوسط الليل للمحبين للخلوة بمناجاة حبيبهم، والسحر للمستغفرين للاستغفار من ذنوبهم، فوسط الليل خاص لخلوة الخواص، والسَحَرُ عام لرفع قصص الجميع، وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج.. فمن عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم، فلا يعجز عن مشاركة المستغفرين في استغفارهم واعتذارهم، صحائف التائبين: خدودهم، ومدادهم: دموعهم" (1).

 

يقول أبو سليمان: "لولا الليل ما أحببتُ البقاء في الدنيا".

 

قلت لليل كم بصدرك سر        أنبئني ما أروع الأسرار

 

قال ما أضاء في ظلامي سر    كدموع المنيب في الأسحار

 

فلماذا قيام الليل وخاصة رمضان؟

 

1- لأنه من أفضل القربات إلى الله:

يقول صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" (صحيح أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير: 173).

 

2- لأنه شرف المؤمنين:

يقول صلى الله عليه وسلم: "شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس" (حسن، أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي هريرة، انظر صحيح الجامع الصغير: 3710، والسلسلة الصحيحة: 1903).

 

3- لأنه يُورث العبد الرضا:

قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)﴾ (طه).

 

4- لأنه سبب للفهم عن الله والتوفيق:

قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6)﴾ (المزمل)، يقول ابن كثير في تفسيره: "والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة.. أي أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، وغط الأصوات، وأوقات المعاش" (2).

 

5- لأنه وقت إجابة الدعاء، وغفران الذنوب، والفوز بعطايا الرحمن:

يقول صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" (رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد في سننه).

 

6- لأنه دَأَبُ الصالحين، وقربى إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد:

فقد جاء في الحديث الصحيح: "عليكم بقيام الليل فإنه دأَبُ الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد" (أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن).

 

قال ابن الحاج: "وفي القيام من الفوائد أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق الجاف من الشجرة، وينوّر القلب، ويُحسِّن الوجه، وينشط البدن" (3).

 

7- لأنه يكسو الحريصين عليه نورًا ومهابة:

يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)﴾ (عبس). وقيل للحسن: "ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خَلَوْا بالرحمن فألبسهم من نوره" (4)، ويقول سعيد بن المسيب: "إن الرجل ليصلي بالليل فيجعل الله في وجهه نورًا يحبه عليه كل مسلم، فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحب هذا الرجل" (5).

 

8- لأنه من موجبات الرحمة:

قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 9)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء" (رواه أبو داود بإسناد صحيح).

 

9- لأنه أفضل صلاة بعد الفريضة:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (أخرجه مسلم) (6).

 

10- لأنه صلاة مكتوبة مشهودة:

ففي حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود: "قلتُ يا رسول الله: أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فَصَلِّ ما شئت؛ فإن الصلاة فيه مكتوبة مشهودة"، والمراد من جوف الآخر هو الثلث الآخر- كما وردت به الأحاديث (7).

 

11- لأن فيه النجاة من النيران:

ففي حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه: "فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. قال فلقيهما مَلَك فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل". قال القرطبي: "حصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يُتَّقَى به من النار، والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك" (8).

 

12– لأن العبد يصيب من الخير فيه ما لا يُصبه في غيره:

قال محمد بن قيس: "بلغني أن العبد إذا قام من الليل للصلاة، تناثر عليه البر من عنان السماء إلى مِفْرَقِ رأسه، وهبطت عليه الملائكة لتستمع إلى قراءته، واستمع له عُمّار داره، وسُكان الهواء، فإذا فرغ من صلاته وجلس للدعاء، أحاطت به الملائكة تُؤمِّن على دعائه، فإذا هو اضطجع بعد ذلك نُودي: نم قرير العين مسرورًا، نم خير نائم على خير عمل" (9).

 

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: "من قال في قيام الليل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كان له من الأجر كألف ألف حسنة" (10).

 

13- لأن صاحبه يُكتب عند الله من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ أهله وصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" (صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير).

 

14- لأنه يورث سكن الغرف في أعالي الجنان:

قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾ (السجدة).

 

وفي الحديث: "إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام" (حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2123).

 

15- لأنه يُهوِّن من طول القيام في عرصات القيامة:

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "من أحب أن يُهوِّن الله عليه طولَ الوقوف يوم القيامة، فليره الله في ظلمة الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة".

 

16- لأنه مهر الحور العين:

يقول أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري: "بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم، فإذا أنا بالحوراء، قد ركضتني برجلها، فقالت: يا حبيبي، أترقد عيناك، والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذة النوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراق، ولقيَ المحبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني! أترقد عيناك وأنا أُرَبَّى لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبتُ فَزِعًا، وقد عرقتُ استحياءً من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي" (11).

 

17- لأنه سبب قوي من أسباب النصر على الأعداء:

فلا ينتصر على الأعداء في ساحة القتال، إلا من انتصر على نفسه في ساحة المجاهدة، ولما هُزم الروم أمام المسلمين قال هرقل لجنوده: ما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من علماء الروم: من أجل أنهم يقومون الليل!.

 

18- لأنه من أسباب حسن الخاتمة:

من صَفَى صُفي له، ومن زرع حَصَد، ومن جَدَّ وجد، وإنما يُكال للعبد كما كال، وانظر إلى المتهجدين كيف ماتوا وخُتم لهم بخير، وانظر إلى تهجد سالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس كيف استُشهد؟ وعبد الله ذي البجادين المتهجد الأوّاه وحسن خاتمته، حتى قال ابن مسعود أمام قبره: "يا ليتني كنت صاحب القبر".

 

19- لأنه سبب لمحبة الله لك:

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ يحبهم الله، ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئةٌ قاتل ورائها بنفسه لله عز وجل، فإمَّا أن يقتل وإمَّا أن ينصرهُ اللهُ ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسهِ؟ والذي لهُ امرأةٌ حسنةٌ وفراشٌ لينٌ حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوتهُ ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معهُ ركبٌ فسهروا ثمَّ هجعوا، فقام من السحر في ضرَّاء وسرَّاء" (قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن).

وعن نعيم بن عمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "إذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه" (قال المنذري في الترغيب (41/319): رواهُ أحمد وأبو يعلى، ورواتهما ثقات).

فهل بعد ذلك من فضل؟ وهل بعد ذلك من نعيم؟

أخي الحبيب: هيا؛ قُم.. وعاهد ربك معي على قيام رمضان.

رزقنا الله وإياك الإخلاص والعمل.

—————–

الهوامش:

(1) لطائف المعارف (ص 49).

(2) تفسير ابن كثير ج4، ص435، مكتبة التراث الإسلامي- القاهرة.

(3) مجلة التوحيد- العدد العاشر- السنة 31، ص69.

(4) رهبان الليل: 1/310.

(5) مجلة التوحيد، العدد العاشر، السنة 31، ص69.

 (6) انظر سبل السلام للصنعاني، ج2، ص341.

(7) السابق، ص342.

(8) تفسير القرطبي 10/ 235 ط. دار الريان للتراث

(9) رهبان الليل: 1/526.

(10) مجلة التوحيد، مصدر سابق، ص71.

(11) رهبان الليل: 1/431.

——-

* صحفي وداعية إسلامي / اخوان انلاین

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس