المقالات

أصل الخیر والشر من قبل التفکر

أصل الخیر والشر من قبل التفکر

امام ابن القیّم

   أصل الخیر والشر من قبل التفکر فإن الفکر مبدأ الإراده    والطلب فی الزهد والترک والحب والبغض وانفع الفکر الفکر فی مصالح المعاد وفی طرق اجتلابها وفی دفع مفاسد المعاد وفی طرق اجتنابها فهذه أربعه أفکار هی أجل الأفکار ویلیها أربعه فکر فی مصالح الدنیا وطرق تحصیلها وفکر فی مفاسد الدنیا وطرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام الثمانیه دارت أفکار العقلاء ورأس القسم الأول الفکر فی آلاء الله ونعمه وأمره ونهیه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من کتابه وسنه نبیه وما ولاهما وهذا الفکر یثمر لصاحبه المحبه والمعرفه فإذا فکر فی الآخره وشرفها ودوامها وفی الدنیا وخستها وفنائها أثمر له ذلک الرغبه فی الآخره والزهد فی الدنیا وکلما فکر فی قصر الأمل وضیق الوقت أورثه ذلک الجد والاجتهاد وبذل الوسع فی اغتنام الوقت وهذه الأفکار تعلى همته وتحییها بعد موتها وسفولها وتجعله فی واد والناس فی واد وبازاء هذه الأفکار الأفکار الردیئه التی تجول فی قلوب أکثر هذا الخلق کالفکر فیما لم یکلف الفکر فیه ولا أعطى الإحاطه به من فضول العلم الذی لا ینفع کالفکر فی کیفیه ذات الرب وصفاته مما لا سبیل للعقول إلى إدراکه ومنها الفکر فی الصناعات الدقیقه التی لا تنفع بل تضر کالفکر فی الشطرنج والموسیقى وأنواع الأشکال والتصاویر ومنها الفکر فی العلوم التی لو کانت صحیحه لم یعط الفکر فیها النفس کمالا ولا شرفا کالفکر فی دقائق المنطق والعلم الریاضی والطبیعی واکثر علوم الفلاسفه التی لو بلغ الإنسان غایتها لم یکمل بذلک ولم یزک نفسه ومنها الفکر فی الشهوات واللذات وطرق تحصیلها وهذا وإن کان لنفس فیه لذه لکن لا عاقبه له ومضرته فی عاقبه الدنیا قبل الآخره أضعاف مسرته ومنها الفکر فیما لم یکن لو کان کیف کان یکون کالفکر فیما إذا صار ملکا أو وجد کنزا أو ملک ضیعه ماذا یصنع وکیف یتصرف ویأخذ ویعطی وینتقم ونحو ذلک من أفکار السفل ومنها الفکر فی جزیئات أحوال الناس وما جرایاتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذلک من فکر النفوس المبطله الفارغه من الله ورسوله والدار الآخره ومنها الفکر فی دقائق الحیل والمکر التی یتوصل بها إلى أغراضه وهواه مباحه کانت أو محرمه ومنها الفکر فی أنواع الشعر وصروفه وأفانینه فی المدح والهجاء والغزل والمراثی ونحوها فإنه یشغل الإنسان عن الفکر فیما فیه سعادته وحیاته الدائمه ومنها الفکر فی المقدرات الذهنیه التی لا وجود لها فی الخارج ولا بالناس حاجه إلیها البته وذلک موجود فی کل علم حتى فی علم الفقه والأصول والطب فکل هذه الأفکار مضرتها أرجح من منفعتها ویکتفی فی مضرتها شغلها عن الفکر فیما هو أولى به وأعود علیه بالنفع عاجلا وآجلا .

منبع : الفوائد

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد.

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

دکمه بازگشت به بالا