معماری
خانه ---> العربیة ---> الحركة بين العمل السياسي والعمل الدعوي
العمل السياسي

الحركة بين العمل السياسي والعمل الدعوي

الحركة بين العمل السياسي والعمل الدعوي

بقلم النائب حمدادوش ناصر

لعل المسار الدعوي والتربوي الذي كان طاغيا على أداء الحركة وخاصة في مرحلة السرية، والتجربة السياسية التي كانت عامرة بتراكمات وإكراهات مرحلة التعددية والأزمة الأمنية، وبعد الاجتهاد الجماعي في التكّيف والدمج التنظيمي بين السياسي والدعوي، وأمام تزايد اهتماماتها وكثرة مجالات عملها، وأمام حتمية النزول من عالم الأفكار والعواطف إلى عالم الإجراءات والإنجازات، وبعد ظهور صيحات التصنيف والتخصص وضرورة التمييز بين ما هو سياسي وما هو دعوي، وحدّة النقاش حول التفاضل وإمكانية التعارض بينهما، تجد الحركة نفسها أمام ضرورةٍ ملحّة للتقييم والمراجعة والنظر بعمقٍ في مدخلات العمل الدعوي ومخرجات العمل السياسي، وإخراج النقاش من دائرة النقاشات الفردية المعزولة إلى رحابة التفكير الجماعي المؤسساتي، ومن دائرة حديث النفس ومناجاة الذات إلى دائرة التفكير بصوتٍ مرتفعٍ وجرأةٍ عالية بما يضمن: التميّز الدعوي بالصبغة الإسلامية:” صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون” (البقرة:138)، والقوة السياسية التي تستوعب قضايا الواقع وتنفتح على جميع شرائح المجتمع.

     وإذا كان الدّين – في حدّ ذاته – بحاجةٍ إلى التجديد، وهو يحثّ على إعمال العقل ويشجّع على الإبداع ويدفع نحو الاجتهاد مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها أمر دينها.”، فإنه كان لزاما على أبناء الحركة أن يجتهدوا       – فكريا وتنظيميا – في حدود العلاقة التي ستجمع بين العمل السياسي وتقلباته وبين العمل الدعوي وثباته، بما يحقق الفاعلية ويطوّر الأداء وبما يضمن وحدة الفهم والشمول، ويحافظ على التوازن والتكامل، ويحقّق التوفيق بين شمولية: ” ما فرّطنا في الكتاب من شيء..”(الأنعام:38) وبين خصوصية:” .. وفوق كلّ ذي علمٍ عليم.”(يوسف:76).

*) طبيعة العمل السياسي والعمل الدعوي:

      لعل البدايات الأولى لعمل أيِّ حركة دعوية وإصلاحية، ترسّخت عنها الصورة الإسلامية والتي تستند في مشروعها وأدبياتها إلى النصوص الشرعية، والتي تحمل طابعا من المثالية والقداسة، وتحمل غالبا فكرا يحتمي بالماضي، ومضمونا يغلب عليه العموم والشعارات، ونظرةً تصطبغ بالكلية والشمولية، وفكرا إيديولوجيا في فهم الإسلام، واجتهادا معاصرا في العمل الدعوي ثم تخرج خروجا مفاجئا واضطراريا إلى باحات العمل السياسي المتعدد في ظلّ ظروف متسارعة وأحداث متقلّبة وساحات سياسية فصّلتها قوى أخرى وخيارات اضطُرت إليها, يجعلها تدفع ضريبة باهضة تُستهلك معها الطاقات والإطارات وتكون على حساب البناء التنظيمي والتربوي الداخلي وعلى حساب المشروع الواقعي والرؤية الواضحة ( سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، وثقافيا…), فتكون النتيجة الحتمية لها: أنها لا هي بالحزب السياسي القوي ولا هي بالجماعة الدعوية المتميزة.

          ولعل من أسباب هذه النتيجة الحتمية هي عدم التمييز بين طبيعة العمل السياسي والعمل الدعوي: فكرا وممارسة، هيكلا وتنظيما، وهذا ما يدفعنا إلى تحديد طبيعة كلّ منهما, والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

–    العمل الدعوي: يستند إلى نصوصٍ شرعية تفصيلية يخضع فيها إلى قاعدة الحلال والحرام، فيميل إلى خطاب الأخوة والوحدة ويأخذ طابع المثالية والقداسة، بينما العمل السياسي: يستند إلى قواعد عامة ومقاصد كلية يخضع فيها إلى قاعدة الخطأ والصواب فيجوز معه التنافس والتعدّد ويأخذ طابع الواقعية والاجتهاد البشري غير المعصوم.

–    العمل الدعوي: يتحرك في مساحات الثوابت والأصول فيتميز بالاستقرار والثبات في المواقف كالأحكام الشرعية الثابتة الخاضعة للأدلة: قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، بينما العمل السياسي: يتحرك في مجال المتغيرات والفروع فيكون عرضة لتغير الخيارات والقرارات كالفتوى التي تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان .

–    العمل الدعوي: يأخذ بُعدا إيديولوجيا عقائديا فيأخذ لونا إسلاميا خالصا تنتظم فيه طائفة من المجتمع دون غيرها، بينما العمل السياسي: يأخذ بُعدا إجرائيا وتقنيا فيأخذ لونا عاما تنتظم فيه جميع شرائح المجتمع على اختلاف ثقافاتهم – وحتى دياناتهم – إن كان هناك تعدد ديني وطائفي ..

–    العمل الدعوي: يستند إلى أحكامٍ قطعية وتصوّراتٍ حدّية تتطلب الإفصاح عن الحق والبيان دون التأخير عن وقت الحاجة وقد يتطلب التمايز عن الآخر، بينما العمل السياسي: يستند إلى أحكامٍ ظنية مرنة تحتاج إلى إعمال المقاصد والغايات والمآلات والموازنات والأولويات, وقد يتأخر الإفصاح عن الحق والبيان عن وقت الحاجة، كما قد يتطلب التكتل والتحالف مع الآخر.

–    العمل الدعوي: قد لا يعبّر إلا عن أصحاب الفكرة الإسلامية الواحدة ( فكر الجماعة أو المدرسة أو التيار) وفق أدبيات المرجعية الدينية، بينما العمل السياسي: يعبّر عن هموم الأمة وعموم الشعب وعن ثقافة الدولة وحقوق المواطنة، أي برؤية مدنية حتى ولو كانت بمرجعية إسلامية، ولعل بيان أول نوفمبر كان أصدق بيان: إقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية.

–    العمل الدعوي: يكون خطابه ومفرداته وبرنامجه يعنىَ بالنخبة والنوعية والتكوين (خطاب نخبوي)، بينما العمل السياسي: يستند إلى مشروع سياسي ويتميز بخطاب يستوعب قضايا الواقع ويمسّ اهتمامات الشعب (خطاب جماهيري، شعبوي).

–    العمل الدعوي: يعنىَ بالجانب الرّوحي، القيمي، الأخلاقي والأخروي، بينما العمل السياسي: يعنىَ بالجانب الدنيوي والحياتي للمواطن وسدّ الحاجات العاجلة والإجابة عن الإشكالات الواقعية له.

–    العمل الدعوي: قضاياه ومسائله توقيفية لاستناده للأدلة الشرعية التفصيلية

(تضبطه أحكام الشريعة), بينما العمل السياسي: قضاياه ومسائله غير توقيفية فهو يحتاج إلى الاجتهاد والإبداع المستمر(تحكمه قوانين الجمهورية التي توافق عليها الجميع).

–    العمل الدعوي: هدفه أخلقة المجتمع ونشر الفكرة الإسلامية الصميمة وإقناع الناس بالالتزام بأحكام الإسلام وفق منهج الوسطية والاعتدال، بينما العمل السياسي: هدفه الوصول إلى السلطة وفق آليةٍ ومشروعٍ سياسي، واقعيٍّ، بديلٍ ومقنع.

*هل التمييز الوظيفي بين السياسي والدعوي دعوة إلى اللائكية الحركية؟

                               إن التلاقي في المرجعية والتكامل فى المشروع مع التمايز في الوظائف لا يعني قطع الحبل السرّي بين الحركة وبين رسالتها أو هويّتها، بل هي دعوة إلى ” التخصّص الوظيفي ” الذي يستوعب مجالات العمل التي لا يطيقها التنظيم الواحد وخاصة إذا كان سياسيا..

                              فشمولية الفهم للإسلام وعمومية الأهداف والمقاصد لا تعني بالضرورة شمولية التنظيم .                                                                ولقد واجه الفكر الإسلامي المعاصر عدة تحدّيات فكرية ووجودية، خاصة فيما يتعلق بقضايا الحكم والسياسة وتحديدا بعد سقوط الخلافة الإسلامية وتعطُّل حركية التجديد وغلق باب الاجتهاد ونشاط الحركة الإستشراقية وتعرّض أغلب البلدان العربية لمحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصية الثقافية.

 ومن هذه التحدّيات: ظهور العلمانية بعد فشل الحكم الديني في أوروبا ومحاولة تسويقها إلينا بالرغم من الإجحاف في المساواة بين المسيحية والإسلام، إضافة إلى وقوع بعض التجارب المريرة لحركات إسلامية لم تُغر بالمثال والقدوة سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، مع ظهور اختلالاتٍ في الممارسة والخطاب، والمفارقة الكبيرة بين تعدّد الأنشطة وكثرة مجالات العمل وبين ضعف الهياكل التنظيمية ومنظومة التسيير التي لا تستوعب الطاقات والإطارات ولا ترتقي بالآداء ولا تساعد على التطوير، وكذا عدم القدرة على صياغة خطابٍ دعوي وسياسي متميزٍ دائمٍ وحاضرٍ يحمل الأفراد والقيادات على السلوك والمعاملة وِفقه، مع الاشتغال ككيانٍ حركي مغلق لا يستوعب فئات المجتمع ولا يتفاعل مع قضايا الواقع بسلاسة ولا يبلغ اهتمامات الدولة بجرأة، مما زاد في حدّة النقاش وجرّأ على بعض الدعوات منها:

1/ الفصل الشامل: وهو الذي يقوم على مفهوم العلمانية الشاملة، والذي ينادي بضرورة الفصل الكلّي بين الدّين والحياة، فـ ” الدّين أفيون الشعوب ” بزعمهم.

2/ الفصل السياسي: الذي يرى أصحابه أن الإسلام منافسٌ لأفكارهم ومهدِّدٌ لمصالحهم، فيصيحون بضرورة إبعاد الدّين عن السياسة ومنع استغلاله لأغراض حزبية، فهم يرون أن: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدّين، ولا يصحّ تلويثه بنجاساتها، أي الفصل بين الدّين والدولة.

3/ الفصل الدعوي: الذي ينادي أصحابه بضرورة التمييز والحماية لصورة الدعوة الناصعة، الجامعة والموحِّدة، وبين تقلّبات السياسة الملوِّثة والمفرِّقة، أي الفصل بين السياسة والدعوة.

4/ الفصل التنظيمي والتمييز الوظيفي: والذي ينادي به دعاة التخصّص, وخاصة بعد تعدد الأنشطة وكثرة مجالات العمل الإسلامي, فيرون ضرورة وجود تنظيمات تتخصص في الدعوة والتربية وأخرى تتأسس للعمل السياسي فقط، أي ضرورة الفصل التنظيمي بين الجماعة والحزب.

5/ الفصل الفردي: والذي يرى أصحابه ضرورة إبعاد الدعاة عن السياسة وتفريغهم الكلّي للدعوة، والاجتهاد في إبقائهم على الحياد كمراجع دينية للأمة يكون واجبهم النّصح لأئمة المسلمين وعامّتهم ونشر تعاليم الإسلام وتربية المجتمع بعيدا عن الحزبية الضيّقة (أي الفصل بين رجال الدعوة ورجال السياسة.).

      جاء في الحديث النبوي الشريف: “إن الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة ..”, وفي الحديث الآخر: ” ..اعملوا فكل ميسّر لما خُلق له “، وفي الحديث الآخر: ” إن الله قَسَم بينكم أخلاقكم كما قَسَم بينكم أرزاقكم ..”، ولذلك فقد توزّعت المواهب والطاقات والقدرات بين الناس، ولم تجتمع في شخص واحد إلا في محمد صلى الله عليه وسلم الذي زكّاه ربنا سبحانه وتعالى كاملا بقوله: ” وإنك لعلى خلق عظيم”، وقد تفاوتت هذه الطاقات والمواهب حتى بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كما في الحديث المعروف: ” أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ، ولكلّ أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.”.

          ولذلك فإن الدعوة إلى التمييز بين السياسي والدعوي تعني العمل في إطار التخصّص  لتبادل الأدوار وتكامل الوظائف وتوظيف الطاقات والاستفادة من المواهب وتغطية مجالات العمل, ولكن في الإطار الجامع وهو المرجعية الفكرية: بمنهاجها: لضبط وحدة التصوّر والفهم، وبكلّ مراحلها: للعمل بالالتقاء والانتقاء والارتقاء، وبجميع وسائلها التربوية لضمان:” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا”، وعن طريق مركزية الشورى لا مركزية التنفيذ، أي وحدة المشروع بدل وحدة التنظيم ..

   إنه الانفتاح عن طريق المؤسسات وليس عن طريق الحزب فقط..

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس