معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> رمضان.. والبحث عن الحاضر الغائب

رمضان.. والبحث عن الحاضر الغائب

رمضان.. والبحث عن الحاضر الغائب

بقلم: أحمد الجعلي

يسير بسيارته في طريقٍ طويلٍ مرهق موحش، ومن
بعيد لاحت له محطة استراحة، زاد من سرعته آملاً أن يصل إليها، وما هي إلا فترة
بسيطة طوت فيها السيارة الطريق طيًّا حتى وصل إلى تلك الاستراحة، كاد يطير من
الفرح بعد أن وصل إليها بعد طول السفر ومشقته.

 

 بكل
البهجة والفرح والسرور ذهب ليتناول الطعام والشراب ليرويَ ظمأه ويسد جوعه، وما هي
إلا دقائق حتى شبع وارتوى، فركن إلى مكانٍ ظليلٍ بالاستراحة ونام، ليستيقظ بعد
فترةٍ فيجد أن الاستراحة قد أغلقت أبوابها وانتهت خدماتها لانتهاء ساعاتِ العمل
بها، ومن جديد عليه أن يجدَّ السيرَ في هذا الطريق الطويل، ولكن المشكلةَ أنه لم
يتزوَّد من الاستراحة بالطعام والشراب والوقود ليكمل الرحلة.

 

هذا هو حال الكثيرين منا مع رمضان؛ ينتظر
رمضان بفارغ الصبر، ويَعُدُّ الأيام والليالي ليصل إليه، ويلهج لسانه بالدعاء
والرجاء من الله أن يبلِّغه رمضان، وما إن يبلغ رمضان حتى يكاد يطير من الفرح
وينكب على الطاعات من صيام وقيام ودعاء وقرآن، وما إن تمر عدة أيام أو أسبوع حتى
يكون قد تشبَّع من الطاعات والعبادات، فيركن إلى الراحة والهدوء والدعة ويفتر بعد
عزيمةٍ ويهدأ بعد حماس، ثم يكتشف بعد ذلك أن الأيام المعدودات قد انقضت، وأن السوق
قد انفضَّ، وأن عليه أن يكمل رحلة السفر الطويل عبر الأيام والشهور ليصل بعد أحد
عشر شهرًا أخرى إن قُدِّرت له الحياة حتى يصل إلى استراحةٍ ومحطةٍ رمضانية جديدة.

 

هذا هو حال مَن يتعامل مع رمضان، على أنه
الغاية والهدف رغم أنه ليس كذلك، بل هو محطة تزود وشحن ليستعين بها ويتزود منها
ليكمل طريق السفر إلى الله عزَّ وجل والقرب منه.

كثيرٌ منا يفعل ذلك ويغيب عنه الهدف الرئيس
من الصيام، رغم أنه أقرب قريب منه، ورغم أنه حاضر، إلا أنه عن الأذهان غائب.

 ولكن
حتى لا تتكرَّر الأحداث ويلحق رمضان هذا العام بسابقيه دون إضافة حقيقية، علينا أن
نهتم بذلك الحاضر الغائب، ولن تبذل كثيرًا في البحث عنه، كل ما عليك هو أن تتفاعل
مع السطور التالية وتُنفذها حرفًا حرفًا.

 

ارفع يدك اليمنى ثم ضعها في منتصف صدرك،
والآن حرِّكها لليسار قليلاً.. نعم هذا يكفي..

أصغِ بسمعك.. اكتم أنفاسك.. اشحذ تفكيرك.. اجمع
تركيزك.

أتشعر بهذه الطرقات المتتالية؟! إنه يقبع
هنا ويطرق معلنًا عن وجوده، طرقة في كل ثانية لا يتوقف في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار..
إنه قلبك النابض الحاضر في أجسادنا الغائب عن اهتمامنا.. يصرخ بك ويطرق عليك وينبض
بداخلك؛ علك تنتبه له وتهتم به.

إنه هذه العضلة الرقيقة التي تحمل على
أكتافها مهمة الحفاظ على حياتك وتدور دون كللٍ وتعمل دون مللٍ، وحين تتوقف عن
العمل سيكون قد حان الأجل.

 

 

 

نعم، إن القلبَ هو الجسر الذي نصل به إلى
الله، إنه هو الهدف الأسمى من الصيام، والذي تتحقق فيه التقوى، كما قال عز وجل عن
حكمة الصيام: ﴿لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ فالعبادات ليست مقصودةً في حدِّ ذاتها، بل
غاية العبادة هو شيء يقرُّ في القلب من جرَّائها، وإلا فرُبَّ صائم ليس له من
صيامه إلا الجوع والعطش، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب.

 

القلب هو الحاضر الغائب الذي عليك أن تهتم
به وأنت في محطة الاستراحة الرمضانية وتعمل طوال فترةِ البقاء بها على أن تقوم
بشحنه وتزويده بمخزونٍ من التقوى والحب والقرب من الله حتى يعينك على إكمال المسير.

 

ها أنت قد عرفت الغاية والهدف في طريقك، وقد
شعرت بنبضاته وصرخاته، فتعالَ معًا نعمل على إيقاظه وشحنه:

 

1- ضع يدك على قلبك الصغير واشعر به واربت
عليه وطمئنه أنك شعرت به ولن تنساه وتتجاهله بعد الآن، اتفق معه على أن تكونا
صديقين؛ يعملان معًا وتكونان رفيقَي دربٍ حتى تصلا معًا إلى النجاة ورضا الله
وجنته.

 

2- اسمعه وهو يبكي بين يديك ويشكو من كمٍّ
كبيرٍ من الرَّان والقسوة يُحيط به ويئنّ تحت شدة المعاصي حتى تحوَّل كالحجارة بل
أشد قسوةً، ويتمنى عليك لو تساعده حتى يفتت تلك الصخور ويزيل ذلك الرَّان.

 

3- تذكر ذنوبك وأخطاءك في حقِّ بارئك
ومولاك، تذكر نعمه وفضله وسَتره، ثم انظر إلى تلك الكرتين البلِّورتين الشفافتين
نافذتي الروح، واترك لهما الفرصة ليجودا بقطرات اللؤلؤ، واسمح لتلك الدمعات أن
تنهال على وجنتيك، واشعر معهما بالراحة والسكينة والقرب وهما يُعبِّران عن قلبٍ
تخلَّص من الرَّان والقسوة والأحجار.

 

4- صمِّم على أن تكون مسيرة رمضانك هذا
العام هي مسيرة قلب، وتلمسه وخاطبه مع كل عبادة وطاعة، مع كل ذكرٍ ودعاء، مع كل
صدقةٍ وعملٍ من أعمال البر، مع قُبلةٍ تطبعها على يد والديك، مع ابتسامةٍ تبتسمها
في وجوه الناس.

 

5- اسمع القرآن هذا العام؛ لا من خلال أذنيك
بل من خلال شغافِ القلب، اترك له الفرصة ليتقافز ويفرح بآياتِ الرحمة والثواب،
واشعر به وهو يرجف من آياتِ غضب الله ووعيده للعصاة والعقاب.. اتركه يسافر عبر
الأزمان مع آياتِ القرآن فيتعاطف مع السيدة مريم وهي تلقى ما لاقت من ابتلاء،
ويتألم لمرض سيدنا أيوب، ويشفق على سيدنا يوسف وهو يلقى في الجُبِّ ويعاقب بالسجن،
ويحن ويشتاق وهو يقرأ عن رسول الله وصحبه الكرام.

 

6- احرص على أن تحاسب نفسك وتُقيِّم تجارتك
اليومية في سوقِ رمضان من الذكر والصلاة وقراءة القرآن، ولكن كن أكثر حرصًا على أن
تشعر بمردود ذلك على قلبك الصغير، وتساءل: “ترى.. هل ارتقى اليوم درجةً؟ هل
اقترب من الله خطوةً؟” فحقيقة السباق هو سباق القلوب.

 

قلبك الآن غض نضر كالنبتة الخضراء الصغيرة
طرية العود، احرص عليه من شلالات الذنوب ورياح الغفلة وأعاصير الشهوات والشبهات؛
فهو لا يقوى على الوقوف أمامها، وقد ينكسر في مواجهتها، ورمضان فرصة عظيمة ليقوى
عوده ويشتد عموده، فلا تَفُتْك هذه الفرصة؛ فشهر الصيام ما زالَ في أول أيامه،
وأنت الآن تقف على حقيقته ومبتغاه وعرفت الهدف ورسمت الغاية.

 

 

 

فَعِشْ رمضان هذا العام كما لم تعشه من قبل..

 

فرمضان هذا العام هو ميلاد قلب.

 

———–

 

* طبيب وأمين اتحاد الطلاب الحر الأسبق
بجامعة القاهرة.

اخوان اون لاین

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس