معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> الإمام حسن البنا في عيون معاصريه

الإمام حسن البنا في عيون معاصريه

الإمام حسن البنا في عيون معاصريه

بقلم: عبده مصطفى دسوقي

 كثير من الناس يولدون ويموتون فلا تشعر الدنيا
بهم، وإن كثيرًا يودِّعون هذه الحياة وقد تركوا لأنفسهم ما ينفعهم؛ من صدقةٍ
جاريةٍ أو علمٍ نافعٍ أو ولدٍ صالحٍ، ولكن القلة القليلة من الناس هم الذين إذا
ودَّعوا الحياة تركوا ميراثًا ينفعهم، وكأنهم يوم ودَّعوها لم يبرحوا منازلها إلا
ليطلُّوا من شرفات الغيب عليها.

 

وكان من أبرز هؤلاء في مصر في العصر الحديث
الإمام الشهيد حسن البنا؛ حيث جاء والناس في شغل عن عقائدهم بالبدع والخرافات
وأمورٍ ما أنزل الله بها من سلطان، ورأى الفجور قد وقر في القلوب، وران على
الأفئدة، ووجد الدينَ في نظر الناس وقفًا على الصوامع والزوايا، ورأى العالم
الإسلامي مفكَّكًا يرزح تحت نير الاستعمار والطغيان، فأيقظ المسلمين من نومهم،
وأفهمهم جميعًا أن الإسلام دين ودولة، وأن الدين ليس فقهًا وشريعةً فحسب، وإنما هو
أيضًا سياسة وحكم، جيش وفكرة، كسب وغنى.

 

فحسن البنا باعث أمة، وقائد نهضة، ومربِّي
جيل، ومجدد الدعوة الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري؛ وقف في وجه الطغيان أيام
كان الزعماء ينحنون للطغاة، جهر بمحاربة الفساد في الوقت الذي قنع فيه الجميع وحرص
على إنقاذ بلدٍ يبيعه حكَّامه!!.

 

فلم يكن حسن البنا زعيمًا مصريًّا محدودًا،
ولا عربيًّا قاصرًا، بل كان زعيمًا إسلاميًّا عالميًّا، حمل بين يديه الإسلام،
فكان خيرَ داعية في العصر الحديث.

 

ولقد كتب عنه الكثير ممن عاصروه، سواءٌ ممن
تتلمذ على يديه أم ممن عايش مواقفه الحية أو لمس أثره في المجتمع؛ فقد كتب عنه بما
حباه الله من صفات الكثير والكثير ممن عاصروه.

 

المرشد الملهم

 

تحت هذا العنوان كتب عنه المستشار حسن
الهضيبي (المرشد العام الثاني للإخوان) قوله: عرفتُه أول ما عرفتُه من غرس يده،
كنت أدخل المدن والقرى، فأجد إعلانات عن: الإخوان المسلمين دعوة الحق والقوة
والحرية، فخلتُ أنها إحدى الجمعيات التي تُعنَى بتحفيظ القرآن، والإحسان إلى
الفقراء، ودفن الموتى، والحثّ على العبادات؛ من صوم وصلاة.. إلخ، وأن هذا قصاراها
من معرفة الحق والقوة والحرية، فلم أحفل بها؛ فكثيرٌ هم الذين يقرأون القرآن دون
أن يفقهوه، ودون أن يعملوا به، وأكثر منهم الذين يصلّون ويصومون ويحجُّون دون أن
يكون لذلك أثرٌ في نفوسهم، والإحسان إلى الفقراء كثيرًا ما يوضع في غير موضعه،
ويكون مخالفًا للدين، لم أحاول- كما هي العادة- أن أعرف شيئًا عن دعوة الإخوان المسلمين.

 ثم
التقيت يومًا بفتية من الريف أقبلوا عليَّ- على غير عادة الأحداث مع من هم أكبر
منهم سنًّا ومركزًا- يحدثونني، فوجدت عجبًا؛ فتية من الريف، لا يكاد الواحد منهم
يتجاوز في معارفه القراءة والكتابة، يحسنون جلوسهم مع من هم أكبر منهم في أدبٍ لا
تكلُّف فيه، ولا يحسُّون بأن أحدًا أعلى من أحد، ويتكلمون في المسألة المصرية
كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف؛ يعرفون من الأخطاء التي ارتُكبَت في عرضها
وفي المفاوضات التي جرت فيها وطريقة حلها ما لا يدركه إلا القليل من الناس،
ويتكلَّمون في المسائل الدينية كلامَ الفاهم المتحرِّر من رقِّ التقليد، ويبسطون
الكلام في ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية، ويعرفون من
تاريخ الرسول- وتاريخه هو تاريخ الرسالة- ما لا يعرفه طلبة الجامعات، فعجبت
لشأنهم، وسألتهم أين تعلموا كل ذلك؟! فأخبروني أنهم من الإخوان المسلمين، وأن
دعوتهم تشمل كل شيء، وتُعنى بالتربية والأخلاق، والسياسية والاقتصاد، والغنى
والفقر، وإصلاح الأسرة، وغير ذلك من الشئون؛ صغيرها وجليلها.

 

من ذلك الوقت تتبعت حركة الإخوان، وصِرت
أقرأ مطبوعاتهم، وأتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك، ولكنني عرفته من غرس يده،
قبل أن أعرف شخصه.

 

حسن البنا.. العبقرية الفذة

وتحت هذا العنوان كتب الأستاذ محمد عبد الله
السمان (المفكر والكاتب) فيقول: لبثتُ أكثر من عام متردِّدًا عن الكتابة عن حسن
البنا العبقري الفذّ؛ وذلك قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى؛ لأني كنت أعتبر الكتابة عن
الرجل في حياته ضربًا من ضروب التزلُّف، رغم أنه كان أعفَّ زعيم عن بوادر الثناء
عليه والتزلُّف إليه؛ لأن حياته لم تكن حياة زعيم عاطل مليئةً بالثرثرة الجوفاء،
وإنما كانت حياته ملكَ دعوةٍ ناهضةٍ حيةٍ، لم تدَع له لحظةً من عمره يذوق فيها طعم
الخلود إلى السكينة والراحة، ولحق الشهيد الأعزل بربه، وعاودتني الرغبة إلى
الكتابة عنه في كتابٍ يليق بقدره، واخترت عنوان الكتاب، ومضت سنة أخرى وثالثة، ولم
أستطع خلالها أن أزيد على العنوان إلا مقدَّمة الكتاب، وأعددت الصفحات البيضاء في
انتظار ملئها بما سجَّلته المذكرة والذاكرة من خواطر، وكلما حاولت أن أستجديَ قلمي
حنينه استعصى استعصاءَ الحجارة، وأقسم ألا يجود بأكثر مما جاد به العنوان
والمقدمة.. وكفى!.

 يا
له من قلم عَصيٍّ عنيدٍ، تتوارد الخواطر على فكري كالسيل المنهمر في هذه الشخصية
الفذَّة التي تتسع لها أضخم الأسفار، فإذا ما طُلب منك أن تسجِّل استعصيتَ وعندت،
واضطررتَني إلى أن أدع صفحات الكتاب البيضاء متراكمةً حتى صارت كالجسد المُسجَّى
فوق المكتب؛ كلما دخلت ألقيت عليه نظرات الأسى والحسرة.

 وما
كنت أدري أن السر في عناء القلم واستعصائه هو الخجل من أن يكتب عن هذه الشخصية،
وهو أعجز من أن يحيط بنواحي عبقريتها الفذة، وأهون من أن يلقيَ على عاتقه القيام
بهذه المهمة الشاقة التي لا طاقةَ له بها، فأدركت أني كنت الأبله لا القلم، وأني
كنت العنيد المستبدّ، لا قلمي الذي كان أبرأَ ما يكون من العناد والاستبداد!!.

 كانت عبقرية الشهيد الأعزل “حسن
البنا” لونًا فريدًا من العبقريات التي عرفها تاريخ البشر؛ فحسن البنا لم
تُلقَ إليه مقاليد السلطان يومًا، ولم يكن مشعوِذًا دجَّالاً، تنجذب إليه أفئدة
السوقة والعامة والرعاع، ومع هذا فقد كان ذا سلطان لا يدانيه سلطان في الشرق،
وصاحبَ قوة أقلقت جنبات الاستعمار، وصدَّعت أعمدة الحكم الإقطاعي الجائر، وانجذبت
إليه أفقهُ القلوب، وأنضرُ العقول، وأخصبُ الأسماع، وليس بعد هذا دليلٌ على أن
الشهيد الأعزل “حسن البنا” كان يتمتع بعبقرية فذة لم يعرف تاريخ البشرية
مثيلاً لها.

 كان
“حسن البنا” عبقريًّا في فهمه للإسلام، وعبقريًّا في تفهيمه الإسلام،
وعبقريًّا في فهمه كتابَ الله، وعبقريًّا في تفهيمه كتاب الله، وعبقريًّا في
خطابته، وعبقريًّا في قيادته، وعبقريًّا في سياسته، وعبقريًّا في حياته العامة،
حتى موتته لم تُحرم جانبًا من جوانب عبقريته الفذة الخالدة!.

 

ماذا صنع حسن البنا؟

 كتب
أحمد عادل كمال تحت هذا العنوان قوله: حينما طُلب مني أن أكتب عن حسن البنا شعرت
بقصور كبير عن أن أكتب فأوفِّي؛ فقد كان حسن البنا رضي الله عنه عملاقًا، يتضاءل
بجانبه كل مارد، ويعجز قلمٌ أو لسانٌ أن ينصفه بين الناس أو يوفِّيَه حسابَه، ونحن
حين نذكر حسن البنا رحمه الله كإمامٍ للجيل ونذكر معه حديث الرسول صلوات الله
وسلامه عليه: “إن الله ليرسل لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدِّد لها أمر
دينها”، نجد أن حسن البنا رحمه الله يبزّ أقرانه من أئمة القرون ويفوقهم
ويرتفع فوقهم درجات من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومع تقديرنا وتوقيرنا
الكامل لهم جميعًا رضي الله عنهم أجمعين.

 فمَن مِن هؤلاء الأئمة جاء في ظروف مثل أيام حسن
البنا وفعل مثلما فعل؟! من منهم جاء وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ممزَّقةٌ
مقطَّعةٌ إلى دول ودويلات وإمارات وأشلاء، يربض فوق كل قطعة صغيرة منها جبار عتيد
من جبابرة المستعمرين وبيدهم سيف المعز وذهبه؟!

من منهم جاء إلى خير أمة أخرجت للناس فوجدها
شرَّ أمة تهون في أعين الناس وفي أعين بنيها؟!

 مَن
منهم رضي الله عنهم جاء إلى أمة محمد وقد زال من قلوب بنيها كل معنى كريم من معاني
العزة والكرامة والحرية والقوة بل والأمل؟!

 

مَن منهم جاء إلى هذه الأمة؛ فوجد معين
الخلق القويم قد نضب في قلوب أبنائها وفي نفوسهم؟!

 

مَن منهم عرض الإسلام بعد أربعة عشر قرنًا
من الزمان غضًّا طريًّا؛ يقرأ القرآن كما أُنزل، ويفتح من الناس قلوبًا ورثت
الغفلة جيلاً عن جيل، فأدركوا أن الإسلام دينُ كل عصر، ورسالةُ كل أوان، ودستور كل
قطر؛ يصلح به ما لا يصلح بغيره؟!

 

من منهم جمع القلوب على قلب رجل واحد؛
شبَّانًا ورجالاً وشيوخًا، ذُكرانًا وإناثًا، فأعدَّهم عددًا، وصفَّهم صفوفًا،
ونظَّمهم كتائب، وجيَّشهم جيوشًا، وسكب في قلوبهم من عقيدة الإسلام وقواعده
إيمانًا انساب إلى شغافهم؛ فأصبحوا يحيون به ومن أجله، فخطَّ لشباب هذه الأمة
خطًّا غير الذي أريد لها، ورأى أبالسة الجن والإنس وجنودهم منهم ما كانوا يحذرون؟!

 

ثم مَن منهم لقي الله شهيدًا في سبيل دعوته؛
اغتالته يد الظلم والبطش والطغيان والسفالة في ساعةٍ من ظلام؟!

 

لئن كان بعض هذا ونزْرٌ منه لغير حسن البنا،
فقد اجتمع كل هذا في حسن البنا رحمه الله، ورضي الله عنه وأرضاه، وجزاه خير ما
يجزي داعيةً عن دعوته.

 

في ذكرى الإمام البنا

كتبت السيدة زينب جبارة رئيسة جمعية السيدات
المسلمات في عهد الإمام البنا، فقالت: إن حسن البنا هو الرجل الذي فقدته مصرُ في
مرحلةٍ من أدقِّ مراحل حياتها، كانت في مسيس الحاجة إلى دعوته التي قام بأعبائها،
هذا الرجل العظيم الذي قلَّ أن تجود الأيام بمثله، أو أن نجد عوضًا عنه..

 

كان شخصيةً جبَّارةً قويةً، وليس أدل على
قوة شخصيته الجبارة من أن أمريكا وإنجلترا وفرنسا كانت جميعها تنظر إلى الرجل بعين
الحذر، وتراقب حركته من بعيد ومن قريب وأيديها على قلوبها؛ فلقد كانت تعلم وتؤمن
بأن حركة الإخوان المسلمين خطرٌ على الاستعمار أينما حلَّ في رقعة إسلامية أو بين
شعب مسلم، ولم تكن أمثال إنجلترا وأمريكا وفرنسا وحدها الجبهات التي تحارب وتتقي
حركة الشهيد حسن البنا؛ فقد كان طاغوت الفساد المتجسّم في القصر وأعوانه جبهةً
معاديةً لحركة الشهيد، وظنَّت هذه الجبهة أن الحياة لن تطيب لها، وأن العيش لن
يحلوَ لها إلا إذا تخلَّصت من دعوة الإخوان وقائد الإخوان، فراحت تعمل بكل ما أوتيت
من قوة لتنفِّذ مؤامرتها، ولم يكَد يستقر بهذه الجبهة القرار حتى أخذ الله ينتقم
لدماء الشهيد ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 14).

 

ماذا قلن عن حسن البنا؟

تحت هذا المعنى كتبت السيدة بهية نصار رئيسة
مبرة الخدمة الإسلامية: كان رحمه الله صاحبَ رسالة، وكان موفَّقًا كل التوفيق؛ حيث
لمس حقيقة الداء وعالجه بأنجع دواء؛ رأى انهيار الأخلاق وانحراف الناس عن الطريق
السوي بتركهم الدينَ وراء ظهورهم، فعمل جاهدًا على تغيير الوضع، وسلك بالإخوان
وبشباب الأمة خاصةً السبيل العملي، ليخلق من كل فردٍ المسلمَ الحقَّ والمواطنَ
القويَّ الصالحَ، وشقَّ طريقه قُدمًا، عُدَّته الإيمان والإخلاص والعمل، فلازمه
النجاح، حتى إذا ما وافاه الأجل المحتَّم كان قد بلَّغ الآلاف المؤلَّفة، وقابل
ربه بنفس راضية مطمئنة، أثابه الله بقدر نفعه للوطن الإسلامي وللمسلمين، وأسكنه
فسيح جناته، ووفَّق الإخوان إلى ترسُّم خطاه، ونفع بهم وبأمثالهم الوطن المفدَّى
وبنيه في ظل العهد الجديد عهد النظام والاتحاد والعمل.

 

حسن البنا.. مجدد الإسلام في القرن العشرين

كتب الداعية الشهير الشيخ عبد الحميد كشك
رحمه الله: الإمام الشهيد حسن البنا هو الداعية الذي بعث الأمل في قلوب اليائسين،
وقاد سفينة العالم الحائر في خضمِّ المحيط إلى طريق الله رب العالمين.

 هو
الرجل الذي كان يقول لأتباعه: “كونوا مع الناس كالشجر؛ يرمونه بالحجر فيرميهم
بالثمر”!.

 عرفتُه من كتاباته، وعرفتُه من مريديه ومحبِّيه،
وعرفتُه من آثاره الطيبة وأعماله المجيدة، عرفتُه داعيةً يجمع ولا يفرِّق، يحمي
ولا يبدِّد، يصون ولا يهدِّد، يشدُّ أزر الأصدقاء ويردُّ كيد الأعداء.

 عرفته رجلاً بعيد النظر، قويَّ الحجة، فاهمًا
لأحداث عصره، مجدِّدًا.

لقد كان الإمام الشهيد رجلاً يتلافى الخلاف،
ويعمل على توحيد الأمة.

 سئل
ذات يوم من أحد عشَّاق الفُرقة: لماذا تبني الجمعية الشرعية المساجد وأنتم لا
تبنون؟! فقال: عليهم أن يبنوا المساجد، وعلينا أن نملأها.

 وسأله أحدهم: ما الفرق بين الإخوان المسلمين
والجمعية الشرعية؟ فقال: أما الإخوان فهم في الدرب الأحمر، وأما الجمعية الشرعية
فهم في الخيامية.

 عرفتُه- رحمه الله- داعيةً، اجتمعت فيه صفات
الصالحين، أولها القدوة الحسنة؛ فقد استطاع أن يتخلص من أكبر عقدتَين يصاب بهما
الداعية، هما: المال والنساء، كما قال المستشرق نولدكه تحت عنوان (الرجل الرباني):
“مات ولم يشبع من خبز الشعير، مات ميتةً كريمةً؛ فهو الشهيد الذي وقف فقال
كلمة حق في وجه سلطان جائر؛ إنه بين حمزة وجعفر”.

 كان
شجاعًا في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، وكان عالمًا يقرأ كثيرًا، ويكتب
ويستنتج، وكان صبورًا عليمًا، وكان قبل ذلك وبعد ذلك مخلصًا.

 كان
رجلا قرآنيًّا؛ إذا سمعته يتحدث خُيِّل إليك أنه يمسك القرآن باليد اليمنى والسنة
باليد الأخرى، كان خطيبًا فصيحًا مفوَّهًا، وكان يعمل بما يقول، واستطاع أن
يربِّيَ مليونين من شعب مصر، هذا بخلاف العالم الخارجي.

 لقد
بدأ دعوته بلا خُطب، وإنما أمسك المصحف بيمينه وقال قولته المشهورة “الطريق
من هنا”.

 لقد
جاءت دعوة الإخوان المسلمين لتعمَّ المشارق والمغارب بنورها، وكأن الله أراد
للإسلام أن ينقذ أبناءه بهذه الدعوة، فانساح أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها
انسياحَ ماء البحر الطهور الذي يغسل وجه الأرض من أرجاسها وأنجاسها وأدناسها،
فرحمك الله يا إمام، وألحقنا بك على خير حال.

 

الداعية الواعي

كتب الفريق عزيز المصري، وكان قائد الجيش
المصري في عهد الملك، يقول: عرفت الشهيد حسن البنا أول مرة بعد عودتي من لندن 1937
حينما كنت في معيَّة سمو ولي العهد؛ وذلك حينما وجدت في انتظاري ثلاثةً قالوا لي
إنهم من الإخوان المسلمين، ونظرًا لأن ملابسهم كانت من المتعارف على أنها إسلامية
إلا أنها في نظري بعيدة عن الإسلام، قلت لهم: إنني لا أريد مقابلتهم؛ لأنني أريد
أن أرى الإخوان المسلمين يمثلون فكرة التجديد والبعث حتى في أزيائهم، فتكون
مبسَّطة ولو جاكتة مقفّلة وبنطلون، وبدلاً من “المسابح” يضع كلٌّ منهم
في يده كتابًا يناقشني فيه.

 

ولشدَّة ما كانت دهشتي حينما جاءني في الغد
أحد هؤلاء الثلاثة وقال لي إنه حسن البنا، وإنه مؤمن بكل ما قلت، ولكنَّ الرجعية
التي تردَّى فيها المسلمون تجعلنا نطرق هذا الباب حتى نعيدَكم إلى الفكرة
الإسلامية الصحيحة التي تجعل من المسلم شعلةً للعلم والتقدم والهداية للإنسانية،
فأكبرت الرجل وعرفت فيه الداعيةَ الواعي، وقد كنت أتوقع ألا أراه بعد المقابلة
الشديدة التي قابلتهم بها.

 ومنذ ذلك اليوم توثَّقت الصلة بيني وبينه، وكنا
نتقابل بين حين وآخر، وأرى في وجهه علائم الإيمان باديةً وآيات الصدق والإخلاص
مرتسمةً؛ مما زادني فيه ثقةً وإيمانًا.

 وحينما كنت بسجن الأجانب إبان استشهاده جاءني
أحد الضباط وعلى وجهه علامات الأسى، مخالفًا الأوامر ومبلِّغًا إياي ذلك النبأ
المفجع؛ فأحسست بخنجرٍ أصابني في صدري لفقد ذلك الرجل العظيم.

 رحمه الله رحمة واسعة، وألهم خلفاءه والإخوان
حسنَ السير على منواله وإتمام الرسالة التي بدأها.

 

في ذكرى الإمام الشهيد

كتب الأستاذ مريت غالي: عرفت المغفور له
الأستاذ حسن البنا منذ سنوات عدة؛ فعرفت فيه الرجولة التامة، ورأيت فيه على الدوام
رجلاً فذًّا من الناحيتَين الخلقية والإنسانية، وقد كان رحمه الله على ثقافة
واسعة، يتمتَّع بشخصية جذَّابة، ويأخذ بأسباب القلوب، ولا شكَّ أن رجلاً هذه طباعه
وتلك كفايته كان ذخرًا قيِّمًا لبلاده، فجاء مصرعه خسارةً كبيرةً، ويزيد الخسارة
فداحةً أن وقع فريسة اغتيال مدبَّر، وقد تفشَّى بيننا داء الاغتيال السياسي البغيض
منذ أوائل هذا القرن.

 

وهؤلاء الذين يقيمون من أنفسهم مدَّعين
وقضاةً ومنفِّذين وجلاَّدين بدافعٍ من هواهم أو رأيهم الشخصي، إنما هم أخطر الناس
على النظام والاستقرار والمدنية، ولا بد أن يؤخذوا أخذةً رابيةً يعتبر بها الغير؛
حتى لا يتطلَّعوا إلى اغتصاب حق الدولة وحدها في مظاهرة العدالة والاقتصاص من كل
من يتهجَّم عليها.

 

تحية دعوة الحق في عامها العشرين

كتب الشاعر الكبير علي أحمد باكثير قصيدةً
عن الإمام الشهيد قال فيها:

عشرون عامًا بالجهاد حوافل   مرَّت كبين عشية وضحاها

ما كان أقصرها وأطول باعها   في الصالحات إذا يقاس مداها

هي دعوة الحق التي انطلقت فلم   تقوَ الموانع أن تعوق خطاها

 

لله “مرشدها” فلولا صدقه    لم يغزُ آلافَ النفوس هداها

في قلبه وريت فشبّ ضرامها   بلسانه حتى استطار سناها

بالأمس نجوى في فؤاد واحد   واليوم في الدنيا يرنُّ صداها

 أضحت عقيدة مؤمنين بربهم          ومبلغي أوطانهم رجواها

متسابقين إلى الجهاد ليحفظوا   عز البلاد ويكشفوا بلواها

ولينهضوا من طويل خمولها   ويقطفوها من عميق كراها

ويطِّهروا أرض العروبة كلها   من كل باغٍ يستبيح حماها

ويوحِّدوا الإسلام في أقطاره     ما بين أدناها إلى أقصاها

زعموا السياسة ذنبه يا ويحهم!!   ما فضل دين محمد لولاها؟!

دين الحياة تضيع أخراها على   أبنائه إن ضيَّعوا دنياها!

فليمضِ عند الهادمون فإنه    “بناء” نهضة قومه وفتاها

وللمزيد:

1- مجلة الدعوة، فترة الخمسينيات.

2- جمعة أمين عبد العزيز: قالوا عن الإمام
البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م.

3- شركة البصائر للبحوث والدراسات: الإمام
البنا في عيون إخوانية، دار النشر للجامعات، 2007م.

المصدر: اخوان ان لاین

 

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس