معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> حقيقة الخلاف / استاذ مصطفی الطحان

حقيقة الخلاف / استاذ مصطفی الطحان

حقيقة الخلاف

 يقول الإمام البنا في الأصل الثامن: (والخلاف
الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة أو بغضاء. ولكل
مجتهد أجره. ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في
الله، والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم
والتعصب).

 

الخلاف وما جره من مصائب

 

إن المطارق التي هوت على أمّ رأس الأمة
الإسلامية،وجعلتها تجثو بين أيدي أعدائها كانت من الداخل لا من الخارج ! حدث ذلك
في تاريخها القريب والبعيد، وجنت الأمة من وراء انقساماتها الصّاب والعلقم!

 

وفي تجوالي بأرجاء العالم الإسلامي رأيت
اختلاف الفقهاء من ألف عام أو يزيد يقسّم المسلمين طوائف متباعدة، ويغري الرجل أن
ينظر إلى أخيه شزرا في قضية خفيفة الوزن، وربما رفض الصلاة خلفه!

 

ثم تنضم إلى الخلاف الفقهي قضايا شخصية
ومنفعية تخصّ هذا أو ذاك، فإذا الإخاء الإسلامي يذوب والخصومات الخبيثة تضرى
وينشغل المسلمون بعضهم ببعض[1].

 

والخلاف نوعان

 

·   
خلاف منهي عنه، وهو الخلاف الذي يفرق الأمة، كالاختلاف الذي حدث بين الفرق
الإسلامية، التي اختلفت في أمور تتصل بالأصول والعقائد التي لا يجوز الخلاف فيها.

 

قال تعالى: )وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه
ولا تتبعوا السبلَ فتفرق بكم عن سبيله([2].

 

·   
وخلاف جائز حول فروع الأعمال والعبادات، وهو خلاف لا يحرج صدرا، ولا يؤذي
أحدا، وأمره دائر بين خطأ وصواب فإذا عرفنا أن المخطئ والمصيب مأجوران، هان الخطب
واستطعنا في ظل الإخاء والحب أن نصل إلى الحقيقة.

 

والخلاف في فروع الدين أمرٌ لابد منه لأسباب
عدة:

 

1- منها اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو
ضعفه، وإدراك الدلائل أو الجهل بها، 
والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض.

 

والدين آيات وأحاديث ونصوص يفسرها العقل
والرأي في حدود اللغة وقوانينها، والناس في ذلك جد متفاوتين فلابد من خلاف.

 

2- ومنها سعة العلم وضيقه وأن هذا بلغه ما
لم يبلغ الآخر. وقد قال الإمام مالك رضي الله عنه لأبي جعفر: إن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم فإذا حملتهم على رأي واحد
تكون فتنة.

 

3- ومنها اختلاف البيئات.

 

4- ومنها اختلاف الاطمئنان القلبي إلى
الرواية.

 

5- ومنها اختلاف تقدير الدلالات فهذا يعتبر
عمل الناس مقدما على خبر الآحاد مثلا وذاك لا يقول معه به وهكذا.

 

كل ذلك جعلنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد
في فروع الدين مطلب مستحيل، بل ويتنافى مع طبيعة هذا الدين[3].

 

أمثلة على الاختلاف الجائز

 

خلافات ذات طبيعة لغوية

 

هناك كلمات تفيد الشيء وضده، في مثل قوله
تعالى: )والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قُروء([4].

 

فكلمة (قرء) تحمل معنى الحيض أو الطهر،
وعليه فقد اختلف الفقهاء فرأى بعضهم أن المطلقة تعتد بثلاث حيضات.. ورأى آخرون
أنها تعتدّ بثلاثة أطهار.

 

وقوله تعالى: )أو لامستم النساء([5].

 

اختلف الفقهاء هل اللمس المراد أيُّ لمس؟ أو
هو لمس خاص؟ ونشأ عن ذلك القول بأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء لأن الآية تعني
الاتصال الجنسي، والقول الآخر أن اللمس ينقض الوضوء لأن المراد عموم اللفظ.

 

وقد يختلفون في معنى الأمر الوارد في النص:
هل هو للوجوب أم للندب؟

 

في مثل قوله تعالى: ) فإذا بلغْنَ أجلَهن
فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة
لله([6]. فالأمر بالأشهاد للوجوب عند البعض، وللاستحباب عند البعض الآخر.

 

ولقد عدّد ابن تيمية عشرة أسباب للخلاف
الفقهي ودور أحاديث الآحاد في تعدد المذاهب وهي:

 

   
* ربما لا يبلغ الحديث الفقيه المجتهد. ومن لم يبلغه الحديث ربما اعتمد على
ظاهر آية أو على حديث آخر، أو على قاعدة عامة، أو لجأ إلى القياس.. إلى غير ذلك.
فالأحناف (مثلا) لم يجيزوا الجمع بين الصلاتين في السفر (وأحيانا في الحضر) لأن
السنن في ذلك لم تبلغهم.

   
* قد يبلغ الحديث الفقيه، ولكنه يرفض سنده لعلل قادحة فيه، وربما بلغ غيره
بسند أجود فيأخذ به. والخلاف بين العلماء في تقويم الرجال، وبالتالي قبول المتون
أمر معروف.

   
* من الفقهاء من يشترط في قبول خبر الواحد شروطا لايوافقه غيره عليها، مثل
اشتراط بعضهم عرض الحديث على كتاب الله وسنة رسوله، أو اشتراطه أن يكون المحدّث
فقيها، أو اشتراطه في كل أمر شأنه العموم أن يجيء من طرق كثيرة فإن انفراد واحد
وحسب في قضية عامة مشهورة قد يثير التهمة.

   
* اعتقاد ضعف الحديث لفكرة خاصة. فإن كثيراً من الحجازيين مثلا يرون ألا
يحتجّوا بحديث رواته عراقيون أو شاميون.

 

·        
أو أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه. (كنسيان عمر رضي الله عنه
لحديث التيمم).

 

·        
وعدم العلم بدلالة الحديث.. مثل ما ورد: لا طلاق في إغلاق.

 

هل الإغلاق هو الإكراه؟ أم انسداد أبواب
الفهم والذهن لسبب طارئ كالغضب الشديد. أو سبب مستمر كالجنون.. وقد يكون اللفظ
مشتركا أو مجملا، أو مترددا بين الحقيقة والمجاز، في مثل قوله تعالى: )وكلوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر([7].

 

·   
اعتقاد الفقيه أن لا دلالة في الحديث على ما يراد، مثل حديث (لا يدخل الجنة
نمّام) هل يمتنع دخوله على التأبيد، أم لا يدخلها مع الأفواج الأولى..؟ وحديث: لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، هل يكون كافرا، أم الإيمان موجود مشلول؟

 

·        
وقد تتساوى الدلالات المختلفة في إفادة معان كثيرة، ويصعب ترجيح وجهة على
أخرى..

 

مثل كلمات الأذان.. فقد وردت ببضع عشرة
صيغة، وظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرها كلها.. ومثل القراءة في صلاة
الجنازة.. وغيرها كثير.

 

·        
وقد يكون الفقيه (مع جودة حفظه واستنتاجه) قد أخطأ في تقرير المقدمات التي
انتهت بالنتيجة التي رآها، وذلك مثل من يقول:

 

لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد! مع أن قبول
شهادته محفوظة عن علي وأنس وشريح وغيرهم رضي الله عنهم.

 

·        
وأخيرا من الفقهاء من يردّ الحديث الصحيح إذا خالف القياس الجليّ، ومنهم من
يردّه إذا كان عمل أهل المدينة المنورة على خلافه[8].

 

ولكل مجتهد أجره

 

فإن صاحب الرسالة (عليه الصلوات والتسليمات)
أمضى نتائج الاجتهاد وقبلها، وصحّ في السنة الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم :
(إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر)[9].
أي أن لكل مجتهد أجره.

 

في ظلال المحبة والاحترام

 

ومن الممكن طرح القضايا على بساط البحث
العلمي، وبذل الجهد في تعرّف الخطأ والصواب، ويغلب أن تتساوى وجهات النظر، وأن
يكون لكل إمام ملحظ محترم يصعب تجاهله[10].

 

والفقهاء المجتهدون يحترم بعضهم بعضا ويحترم
حريته في مخالفته، وقد رأينا الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه يرفض حمل الناس على
مذهبه في الموطأ.

 

وقد أنكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
إتمام الصلوات الرباعية أيام التشريق لمّا بلغه أن عثمان فعل ذلك، وقد صلّى ابن
مسعود وراء عثمان متمما، فلما كلّم في صنيعه هذا قال: أكره الخلاف[11].

 

في هذه الأجواء الكريمة التي تعمق الحب ولا
تتحول المناقشة فيها إلى شحناء وكراهية..، لا مانع من مناقشة الفروع والقضايا
الخلافية لمعرفة الراجح من المرجوح.. يقول ابن تيمية:

 

(لقد كان العلماء من الصحابة والتابعين من
بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: {فإن تنازعتم في شيء
فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن
تأويلا([12].

 

كانوا يتناظرون في المسائل مناظرة مشاورة
ومناصحة ومحبة)[13] ، لا مناظرة مراء وتعصب مذموم، يقسي القلب، ويوغر الصدر، ويعمي
عن الحق، ويسير وراء الهوى.

 

يقول الإمام حسن البنا: نلتمس العذر لمن
يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن الخلاف لا يكون أبداً حائلا دون ارتباط
القلوب، وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ
بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته.

—————————————-

[1] دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين –
محمد الغزالي، ص- 49.[2] الأنعام – 153.[3] رسالة دعوتنا – حسن البنا.[4] البقرة –
328.[5] النساء – 43.[6] الطلاق – 2.[7] البقرة – 187.[8] دستور الوحدة الثقافية
بين المسلمين- محمد الغزالي، ص- (58-64).[9] مسلم.[10] دستور الوحدة الثقافية
(المرجع السابق)، ص- 38.[11] المرجع السابق، ص – 84.[12] النساء – 59.[13] الفتاوى
24: 172.

المصدر : الشبکه الدعویه

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس