معماری
خانه ---> العربیة ---> المقالات ---> عوامل صناعة شخصية الإمام حسن البنا في مرحلة

عوامل صناعة شخصية الإمام حسن البنا في مرحلة

عوامل صناعة شخصية الإمام حسن البنا في مرحلة الطفولة

بقلم: د. رشاد لاشين

لا شك أن الشخصيات الناجحة التي تصنع الحياة وتقود الأمة لا تبدأ فجأة، ولكن غرس الطفولة وبذل السنين يؤتي ثماره بعد حين، وإذا حسُن التأسيس قوي البنيان وشمخت أركانه في السماء، ومَن يصنعه الله على عينه ييسِّر له أسباب النجاح ويحرس سفينته لتشق طريقها في وسط العواصف وعباب الأمواج، إلى غاية هو رسمَها، وطريق هو اختارها بعنايته ورعايته سبحانه، الذي يختار لهذه الأمة على رأس كل مائة عام مَن يجدد لها أمر دينها، وكان من بين هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا، الذي نوضح فيما يلي العوامل والمؤثرات والظروف التي ساهمت في صناعة شخصيته في مرحلة الطفولة وساعدت على تكوين الطفوله المتميزة التي صنعت فيما بعد الإمامة الرائدة:

 

 المؤثرات الاجتماعية والبيئية

 

الاسم: حسن أحمد عبد الرحمن البنا.

 

مكان الميلاد: قرية المحمودية، محافظة البحيرة بدلتا النيل، مصر.

 

يوم الميلاد: يوم الأحد 25 شعبان سنة 1324هـ= الموافق 14 أكتوبر سنة 1906م.

 

الجد: عبد الرحمن البنا.. كان فلاحًا أصيلاً ابن فلاح من صغار الملاَّك، من أسرة ريفية متوسطة الحال من صميم الشعب المصري، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية "شمشيرة" (قرب مدينة رشيد الساحلية) ومطلة على النيل في مواجهة بلدة إدفينا، تابعة لمركز فوة التابع لمديرية الغربية سابقًا ومحافظة كفر الشيخ حاليًا)، وعمل كل أبنائه بالزراعة فيما عدا أبنه الأصغر "أحمد" والد الإمام حسن البنا.

 

 

 

الجدة: لها فضل على الإمام الشهيد لحرصها على تعليم ابنها الأصغر أحمد "والد الإمام حسن البنا" فنشأ نشأةً أبعدته عن العمل بالزراعة؛ تحقيقًا لرغبتها وحرصها على أن يحصِّل أحد أبنائها العلم، فالتحق بكتاب القرية ثم ترقَّى في مراحل التعليم.

 

   

والد الإمام الشهيد حسن البنا

 

 

الأب: الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (أصغر أبناء عبد الرحمن البنا).. اتجه اتجاهًا علميًّا برعاية والدته، فالتحق بكتاب القرية؛ حيث حفظ القرآن الكريم وتعلَّم أحكام التجويد، ثم درس بعد ذلك علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، والتحق أثناء دراسته بأكبر محلٍّ لإصلاح الساعات في الإسكندرية؛ حيث أتقن الصنعة، وأصبحت بعد ذلك حرفةً له وتجارةً، ومن هنا جاءت شهرته بـ"الساعاتي"، وكان "أحمد عبد الرحمن البنَّا" من العلماء العاملين وقد عمل إمامًا لمسجد القرية ومأذونًا لها، وكان محبًّا للعلم والقراءة، وكان يصرف معظم وقته في الاطِّلاع والتصنيف، وقد أهَّل نفسه ليكون من علماء الحديث الشريف، فقد رتَّب معظم أسانيد الأئمة الأربعة على أبواب الفقه، فألَّف عدة كتب لخدمة السنة النبوية، منها "بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن"، و"الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني"، و"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" وقد كان الشيخ يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده.

 

 

والدة الشهيد حسن البنا

 

 

 

 

الأم: والدة الإمام الشهيد هي السيدة الفضلى أم سعد إبراهيم صقر، والدها تاجر مواش بقرية شمشيرة، وهي أيضًا من نفس قرية والد الإمام الشهيد، وهي تواجه المحمودية على الضفة الثانية للنيل، وكانت ذكيةً ومدبِّرةً وواعيةً، كما كانت على جانبٍ كبيرٍ من قوة الإرادة، فإذا انتهت إلى قرارٍ فمن الصعب أن تتنازل عنه، وهي صفةٌ ورثها الإمام الشهيد (ابنها الأكبر) كما ورث منها ملامحَ الوجه، "ولم يشاركْه في هذه الوراثة من إخوته سوى شقيقه عبد الباسط رحمه الله (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه ص22).

 

 

 

(1) السمات والملامح التربوية للأسرة التي نشأ فيها حسن البنا

 

الأسرة مصنع العظماء، والنشأة الصالحة لها دورٌ كبيرٌ في التربية على النهوض بالأمة، وقد تميزت أسرة الإمام البنا بالسمات والملامح الآتية:

 

1- التدين 2- التواصل الاجتماعي 3- النجاح الحياتي 4- الحنان 5- الترابط القوي 6- التعاون 7- الرعاية الناجحة 8- الطموح الكبير 9- التدريب على صناعة الحياة 10- توفير الجو العلمي 11- التضحية من أجل العلم.

 

 

 

نشأ حسن البنا وترعرع في ظل أسرة متدينة ناجحة في حياتها وفي كنف أبٍ عالمٍ عاملٍ، وفي رحاب بيئةٍ إيمانيةٍ موصولةٍ بالله، وفي ظلال جوٍّ ديني مشحون بالعلم والثقافة، فاستقامت نفسه وأحبَّ العلم، وعشق القراءة، ولأنه يعيش في رحاب أبٍ يجمع بين العلم والعمل وإمامة المسجد ومأذونية القرية، وفي نفس الوقت يمارس عملاً حياتيًّا وهو تجليد الكتب وإصلاح الساعات.. فكان نتيجة ذلك أن تشرَّبت نفس الناشئ حسن البنا بالتدين والتميز والحياة العملية الناجحة منذ الصغر، فراح يهتم بشئون المجتمع ويعمل على نشر الخير والإصلاح.

 

 

الشهيد في مرحلة شبابه

 

 

 

 

وقد أحاط الأب وكذلك الأم ابنَهما حسن برعايةٍ كاملة، حتى إنَّ الأم "تتمسك بأن يتم حسن تعليمه على أعلى مستوى، وعندما ضاقت موارد الأسرة باعت (كردانها) الذهبي، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ ولاستكمال التعليم أيضًا باعت سواريها وكانت مضفرة ثقيلة من الذهب البندقي- كما يقولون- أي أنها من الذهب الخالص عيار 24 (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه ص 88، 96).

 

 

 

وفي كنف أبٍ حنون ومربٍّ ناجح نشأ "حسن البنا" فتطبَّع بالكثير من طباع والده، وتعلم على يديه حرفة "إصلاح الساعات" وتجليد الكتب أيضًا، وكان يقوم بقضاء بعض الأعمال نيابةً عن الوالد، وكان والد الإمام الشهيد يكلفه بقضاء العديد من المصالح وتسوية بعض المشكلات بالبلد (المحمودية) بعد أن مضى على انتقاله إلى القاهرة قرابة عامين، وظل والده يتعلق بهذه الأعمال حتى عام 1933م (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه ص 88، 96).

 

 

 

(2) المؤثرات العلمية والثقافية في صناعة الشخصية

 

أ- دور الأب في الصناعة العلمية للابن:

 

وقد تمثَّل الدور العلمي للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا مع ابنه "حسن" في الآتي:

1- توفر الهدف والإرادة لدى الأب وغرسهما في الابن 2- الرعاية العلمية المباشرة 3- حسن اختيار الشيخ المربي 4- توفير مصادر العلم 5- توفير البيئة المناسبة 6- التدريب العملي، من خلال الحوار والمناقشة، واصطحاب الابن إلى حضور مجالس العلماء، ومناقشاته مبدأ الإمام الشهيد، ومدارسته القرآن الكريم، ودراسة الثقافة الإسلامية، فقد تطابقت إرادة والديه على هذه البداية، فقد أراد له أبوه رحمه الله أن ينشأ نشأةً إسلاميةً حقيقيةً وأصرَّ على أن يحفظ القرآن، واستكمل له الكثير من جوانب الثقافة الإسلامية في سن مبكرة، ثم عهد به إلى الشيخ "محمد زهران" الذي كان أيضًا شيخه الأول وكان الشيخ زهران كفيفًا.

 

 

 

يقول الأستاذ عبد الرحمن البنا: "كنا نعود من المكتب فتتلقفنا يد الوالد الكريم، فتعدنا وتصنعنا، وتحفِّظنا دروس السيرة النبوية المطهرة وأصول الفقه والنحو، وكان له منهاج يدرسه لنا الوالد الكريم، وكانت مكتبة الوالد تفيض بالكتب وتمتلئ بالمجلَّدات، وكنا ندوِّر عليها بأعيننا الصغيرة، فتلتمع أسماؤها بالذهب، فنقرأ: النيسابوري والقسطلاني، ونيل الأوطار، وكان يبيحها لنا ويشجِّعنا على اقتحامها، وكان أخي هو المجلَّى في الحلبة وفارس الميدان، وكنت أحاول اللحاق به، ولكنه كان غير عادي، كان فرق السن بيننا سنتين، ولكنه لم يكن الفرق الحقيقي، بل فرق إرادة إلهية أعدته لأمرٍ عظيم، فكان طالب علم، ولكنه مُستقَّر موهبة ومستودع منحة ربانية، وشتان بين المنزلتين، وفرق بعيد بين المريد والمراد!! وكنا نسمع ما يدور في مجلس الوالد الكريم من مناقشات علمية ومساجلات، ونصغَى إلى المناظرات بينه وبين مَن يحضر مجلسه من جلة العلماء، أمثال الشيخ محمد زهران والشيخ حامد محيسن، فنسمعهم وهم يناقشون عشرات المسائل (أنور الجندي: حسن البنا.. الداعية الإمام والمجدد الشهيد ص 230، 231).

 

 

 

ب- دور المعلم الناجح في صياغة الشخصية:

 

مدرسة الرشاد الدينية وبصمات مهمة في صياغة شخصية حسن البنا في مرحلة الطفولة:

قضى الطفل النبيه حسن البنا 4 سنوات من طفولته في الفترة من الثامنة حتى الثانية عشرة من عمره في مدرسة مباركة رائعة متميزة (وغير رسمية) تُسمَّى (مدرسة الرشاد الدينية) وهي كتَّابٌ ولكنها في نهج المعاهد الرائعة، التي تُعتبر دارَ علمٍ ومعهدَ تربيةٍ على السواء، تركت هذه المدرسة بصماتٍ مهمةً في شخصية الطفل حسن البنا ووضَّحت لنا دور المدرسة الصالحة والمعلم الناجح في صياغة الشخصية.

 

 

 

وكانت مراحل دراسة الإمام الشهيد كما يلي:

 

1- مدرسة الرشاد الدينية 2- المدرسة الإعدادية  3- مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور 4- دار العلوم بالقاهرة.

 

 

 

وكانت مدرسة الرشاد هي أول مدرسة التحق بها الإمام الشهيد، وكانت هي الأساس والقاعدة الصلبة التي استند إليها في تجاوز مراحل تعليمه اللاحقة بجدارة وتوفيق ونجابة (أحمد حسن شوربجي: حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر ص64، 65).

 

 

 

وقد أورد رحمه الله في مذكرات الدعوة والداعية دروسًا كثيرةً تعلمها في طفولته من (مدرسة الرشاد الدينية) نستطيع أن نُوجزها في:

 

 

 

سمات المعلم الصالح الكفء الناجح الذي يتميز بالآتي (تمثلاً بشخصية الشيخ محمد زهران رحمه الله):

 

– يجيد التأثير والتواصل الوجداني مع التلاميذ ومع المجتمع وبوسائل مبتكرة تجمع بين القديم والجديد.

 

– يقدم القدوة من نفسه كشعلة نشاط في الحرص على الأمة ويتميز بالذكاء والتقوى.

 

– القدرة على تفجير الطاقات وشحذ الهمم والعزائم في ظلال الحبِّ والودِّ والتآلُف.

 

– الجمع بين التعليم والتربية واستخدام مؤثرات عديدة في صياغة الشخصية بعيدًا القوالب الجامدة.

 

– الحرص على اختيار المنهج التربوي المتميز غير التقليدي الذي يجذب الإنسان ويملك عليه مشاعره.

 

 

 

هيا نتلقَّى عنه رحمه الله وهو يروي لنا هذه الفترة من حياته ومدى تأثره بها.. يقول رحمه الله في (مذكرات الدعوة والداعية) تحت عنوان (مدرسة الرشاد الدينية): "رحم الله أستاذَنا الشيخ محمد زهران صاحب مدرسة الرشاد الدينية، الرجل الذكيّ الألمعي، العالم التقيّ، الفطن اللقن الظريف، الذي كان بين الناس سراجًا مشرقًا بنورِ العلم والفضل، يضيء في كل مكان، وهو وإن كانت دراسته النظامية لم تصل به إلى مرتبة العلماء الرسميين، فإنَّ ذكاءه واستعداده وأدبه وجهاده قد جعله يسبق سبقًا بعيدًا في المعارف وفي الإنتاج العام.. كان يُدرِّس للعامَّة في المسجد ويُفَقِّه السيِّدات في البيوت، وأنشأ مع ذلك مدرسة الرشاد الدينية في سنة 1915م، تقريبًا لتعليم النشء على صورة كتاتيب الإعانة الأهلية المنتشرة في ذلك العهد في القرى والريف، ولكنها في نهج المعاهد الرائعة التي تُعتبر دار علمٍ وعمل! تربية على السواء ممتازة في مادتها وطريقتها، وتشتمل مواد الدراسة فيها- زيادةً على المواد المعروفة في أمثالها حينذاك- على الأحاديث النبوية حفظًا وفهمًا، فكان على التلاميذ أن يدرسوا كل أسبوع في نهاية حصص يوم الخميس حديثًا جديدًا، يشرح لهم حتى يفقهوه، ويكررونه حتى يحفظوه، ثم يستعرضون معه ما سبق أن درسوه فلا ينتهي العام إلا وقد حصلوا ثروةً لا بأسَ بها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذكر أن معظم ما أحفظ من الأحاديث بنصه هو مما علَق بالذهن منذ ذلك الحين، كما كانت تشتمل كذلك على الإنشاء والقواعد والتطبيق، وطرف من الأدب في المطالعة أو الإملاء، ومحفوظات ممتازة من جيِّد النظم أو النثر، ولم يكن شيء من هذه المواد معروفًا في الكتاتيب المماثلة، وكان للرجل أسلوبٌ في التدريس والتربية مؤثرٌ منتجٌ، رغم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلقَّ قواعد علم النفس، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته، وكان يحاسبهم على تصرفاتهم حسابًا دقيقًا مشربًا بإشعارهم الثقة بهم والاعتماد عليهم، ويجازيهم على الإحسان أو الإساءة جزاءً أدبيًّا يبعث في النفس نشوةَ الرضا والسرور مع الإحسان، كما يذيقها قوارص الألم والحزن مع الإساءة، وكثيرًا ما يكون ذلك في صورة نكتة لاذعة أو دعوة صالحة أو بيتٍ من الشعر- إذ كان الأستاذ يقرضه على قلة- ولا أزال أذكر بيتًا من الشعر كان مكافأةً على إجابة في التطبيق أعجبته فأمر صاحب الكراسة أن يكتب تحت درجة الموضوع.

 

حسن أجاب وفي الجواب أجادا            فالله يمنحه رضا ورشادا

 

 

 

كما أذكر بيتًا آخر أتحف به أحد الزملاء على إجابةٍ لم ترقْه فأمره أن يكتب تحت درجته:

 

يا غارة الله جدِّي السير مسرعةً           في أخذ هذا الفتى يا غارةَ الله

 

ولقد ذهبتُ مثلاً وأطلقت على هذا الزميل اسمًا فكنا كثيرًا ما نناديه إذا أردنا أن نغيظه "يا غارة الله"، وإنما كان الأستاذ يُوصي صاحب الكراسة بأن يكتب بنفسه ما يُمليه عليه؛ لأنه رحمه الله كان كفيفًا، ولكن في بصيرته نور كثير عن المبصرين "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"، ولعلِّي أدركتُ منذ تلك اللحظة- وإن لم أشعر بهذا الإدراك- أثرَ التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ، فلقد كنا نحبُّ أستاذنا حبًّا جمًّا رغم ما كان يُكلفنا من مرهقات الأعمال، ولعلي أفدت منه رحمه الله مع تلك العاطفة الروحية حبَّ الاطلاع وكثرةَ القراءة؛ إذ كثيرًا ما كان يصطحبني إلى مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجعَ له وأقرأَ عليه ما يحتاج إليه من مسائل، وكثيرًا ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم، فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش وأنا أسمع، وهكذا يكون لهذا الاتصال المباشر بين الأستاذ والتلميذ أجمل الآثار، وحبَّذا لو قدَّر ذلك المعلمون والمربُّون، واعتمدوا عليه وعنوا به، ففيه إن شاء الله الخير الكثير، وفي هذه المدرسة المباركة مرَّت فترة من فترات العمر بين الثامنة إلى الثانية عشرة".

 

 

 

جـ- أثر الانفتاح وحرية الاختيار والبعد عن الجمود في بناء الشخصية منذ الصغر:

 

جو الانفتاح واحترام الرأي وتلبية الرغبات ذات القيمة يصنع الشخصية الناجحة؛ وحيث إنَّ العلم لا يأتي قهرًا وإرغامًا ولكن حبًّا ورغبةً فقد كان الطفل الحصيف "حسن البنا" يتميز بشخصية منفتحة، يكره الجمود، ولديه القدرة على اختبار الأمور، ويستطيع إبداء رأيه لمن هو أكبر منه ولديه القدرة على إقناعه، فقد بدأ "حسن البَنَّا" تعليمه في مكتب تحفيظ القرآن بالمحمودية، وتنقَّل بين أكثر من كُتَّاب حتى إن أباه أرسله إلى كتَّابٍ في بلدة مجاورة للمحمودية، وكانت المدة التي قضاها في الكتاتيب وجيزةً لم يتم حفظ القرآن خلالها؛ إذ كان دائم التبرُّم من نظام "الكُتَّاب"، ولم يُطِق أن يستمرَّ فيه، فعرض على والده أن يلتحق بالمدرسة الإعدادية وفي البداية عارضَ الوالد الذي كان يحرص على أن يحفِّظَه القرآن، وبعد شرح وتوضيح وإلحاح ومناقشات أفلح الابن النبيه في إقناع والده العالِم بقبول الفكرة، ولكنه اشترط عليه أن ينجز مهمة حفظ القرآن، ولم يوافق على التحاقه بالمدرسة إلا بعد أن تعهَّد له "حَسَن" بأن يتم حفظ القرآن في منزله، فقد كان الأب مرنًا منفتحًا، لم يقم بإرغامه أو قهره على طرق التعليم التقليدية، ورغم معارضته في البداية لسلوك ابنه غير الطريق التقليدي إلا أنه استجاب مع حرصه على تحقيق هدفه الذي تعهَّد له الابن الذكي بتحقيقه، وبفضل روح الانفتاح هذه نجح الابن وأوفى بما تعهَّد به، وهذا درس مهم يجب أن يتعلمه الآباء.. تقول الدراسات إن الطفل المصري من أذكى أطفال العالم، ولكن الذي يدمِّر شخصيته كثرة التعليمات وكثرة الأوامر وغياب الحوار وضعف المرونة.

 

 

 

يقول رحمه الله في (مذكرات الدعوة والداعية) تحت عنوان (إلى المدرسة الإعدادية)- يوضح فقدانه للمدرسة الرائعة المتميزة، ويصف تغير الحال في مدرسة الرشاد المباركة لمَّا تركها مؤسسها الشيخ محمد زهران- يقول رحمه الله: "ولقد شُغل أستاذنا بعد ذلك عن مدرسته، وعُهِد بها إلى غيره من العرفاء الذين ليس لهم مثل روحه المشرق وعلمه الواسع وأدبه الجمّ وخلُقه الجذَّاب، فلم يرُقْ لهذا الناشئ الذي تذوَّق حلاوة هذه الخلال أن يصبر على صحبتهم، رغم أنه لما يتم القرآن حفظًا بعد، ولم يحقق رغبة والده الملحَّة في أن يراه حافظًا لكتاب الله، فهو لمَّا يتجاوز بعد سورة الإسراء ابتداءً من البقرة- وهو نصف الختمة تقريبًا- وعلى حين فجأة صارَحَ والدَه في تصميم عجيب أنه لم يعُد يطيق أن يستمر بهذه الكتاتيب، وأنه لا بد له من الذهاب إلى المدرسة الإعدادية.

 

 

 

والمدرسة الإعدادية حينذاك على غرار المدرسة الابتدائية اليوم بحذف اللغة الأجنبية وإضافة بعض مواد القوانين العقارية والمالية وطرف من فلاحة البساتين، مع التوسُّع نوعًا ما في دراسة علوم اللغة الوطنية والدين، وعارض الوالد الحريص على أن يحفظ ولده كتاب الله هذه الرغبة، ولكنه وافق عليها بعد أن تعهَّد له صاحبها بأن يتم حفظ القرآن الكريم "من منزله".

 

 

 

وما جاء أول الأسبوع حتى كان الغلام طالبًا بالمدرسة الإعدادية يقسِّم وقتَه بين الدرس نهارًا وتعلم صناعة الساعات التي أغرم بها بعد الانصراف من المدرسة إلى صلاة العشاء، ويستذكر هذه الدروس بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصَّته من القرآن الكريم بعد صلاة الصبح حتى يذهب إلى المدرسة.

 

 

 

د- أثر ضياع مجد الإسلام ووقوع دياره تحت سيطرة الأعداء وسقوط الخلافة الإسلامية في صياغة شخصيته:

 

شبَّ حسن البنا في ظل أسرة متدينة، تعرف قيمة مجد الإسلام ورِفعة شأنه وعلوِّ مكانته، ودرَس في السيرة والتاريخ عظَمةَ سلطان الإسلام وسموَّ حضارته واستعصاءه على القهر والذل من غيره، ثم نظر حوله فإذا الأمة مهانة ومستعبَدة، في ظل قهر الاستعمار، وضياع الكرامة، وانتشار الفقر والجهل والمرض، فاذا به ترنو روحه الطاهرة إلى استعادة مجد الإسلام من جديد، وإلى تطهير دياره من دنس الاحتلال، وتحرير أراضيه من كل سلطان أجنبي، فحرص على الإصلاح والنهوض بالأمة منذ نعومة أظافره، وكان يهتم بشئون الأمة وقضاياها رغم صغر سنه، وقد شارك الإمام الشهيد أثناء دراسته بالمدرسة الإعدادية في (جمعية منع المحرمات)، كما كان رئيسًا لمجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية، وقد شارك في ثورة 1919 وهو في الثانية عشرة من عمره ثم حدثت الطامَّة الكبرى حينما كان عمره 17 عامًا بسقوط الخلافة الإسلامية على يد الخائن العميل مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924، فكان لذلك عظيم الأثر في نفس حسن البنا وسلوكه ونشاطه، وقد فجَّر هذا الأمر طاقاتِه وجعلَه يحمل الهمَّ ليلَ نهارَ، ويبكي الليالي ذوات العدد على حال الأمة، ويفكر طويلاً، ويبحث كثيرًا في سبل الخلاص وطرق الحلِّ وكيفية علاج الأزمة؛ حيث قرَّر أن يعمل على إحياء مجدِ الإسلام من جديد، والعمل على عودة سلطانه، وذلك بتشكيل جماعة تعمل على خدمة الإسلام وجمع شتات المسلمين، وإعادة الخلافة الإسلامية من جديد، وكان أن هداه الله تعالى إلى تكوين جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م وكان عمره إذ ذاك 22 عامًا، فكانت الأزمة بالنسبة له مؤثرًا كبيرًا لبذل الجهد وعلوّ الهمَّة وتفجير الطاقات وصناعة الإمامة الرائدة التي أحيت الأمة من جديد .

المصدر : اخوان آن لاین

 

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس