معماری
خانه ---> العربیة ---> أراء وأفكار ---> يمكننا بناء الدولة الإسلامية من داخل الدولة العلمانية

يمكننا بناء الدولة الإسلامية من داخل الدولة العلمانية

يمكننا بناء الدولة الإسلامية من داخل الدولة العلمانية دون تنازلات

د. رفيق حبيب

 المقابلة بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية، تمثل العنصر الأهم في مواجهات السياسة والحروب أيضا، فهي عنوان للواقع العربي والإسلامي، وتختصر أهم المعارك والمواجهات. ولكن تلك المقابلة تطرح تساؤلاً عن الاختلاف والتشابه بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية. لأن مدى الاختلاف هو الذي يحدد في تصور البعض، ما إذا كانت عملية تغيير الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية، عملية بناء أو عملية هدم لما هو قائم أولا، ثم بناء آخر. والغالب في تجارب التاريخ، أنه لا يوجد هدم كامل وبناء كامل، فهذا التصور غير واقعي، ولا تقوم به إلا قوات الاحتلال، والتي يمكن أن تهدم كل ما هو قائم، حتى تفرض سيطرتها. وتلك مفارقة، لأن الدولة التي كانت قائمة في العراق دولة علمانية، ومع هذا احتاج الاحتلال الأمريكي لهدم الدولة العلمانية القائمة، رغم أنها قائمة على النموذج الغربي السياسي، لكنها لم تكن متحالفة مع الغرب بما يكفي حتى يستطيع بناء دولة علمانية أيضا، ومتحالفة مع أمريكا والغرب تحالفا نهائياً وأبدياً. ولكنه في النهاية لم يبن دولة بأي معنى من المعاني، بل بنى حالة فوضى، وأصبح غير قادر على الخروج منها، أو تحديد نهاية لها، أو تحديد نتائج نهاية حالة الفوضى.

 

          ولكن كل مشاريع التغيير والإصلاح، والتي تأتي من داخل المجتمع نفسه، وتحاول بناء الدولة التي يريدها المجتمع، لا تقوم على الهدم، أي هدم ما هو قائم، بقدر ما تقوم على توظيف ما هو قائم لصالح بناء ما يراد تحقيقه، لأن عملية الهدم ضارة بالمجتمع، كما أنها ضارة بأي حركة تغيير وإصلاح، لأنها تفقد الحركة المقومات المتاحة لها، والتي تستطيع من خلالها بناء ما تريد تحقيقه. فعملية الهدم والبناء لا ترتبط ارتباطا مباشرا بالفرق بين القائم والمراد بناؤه، وتلك مسألة من المهم النظر لها بدقة.

 

          فالدولة الإسلامية التي تتأسس لإقامة العدل، تختلف عن الدولة الليبرالية العلمانية التي تقوم من أجل تحقيق الحرية الفردية. والفرق هنا في القيمة الأولى التي تحوز على رعاية الدولة، ولكن هذا الفرق يمثل في تصورنا فرقا هائلا، لأنه يكفي لتغيير كل سياسات الدولة في مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. والدولة العلمانية تقوم لحماية قوميتها فقط، ولكن الدولة الإسلامية تقوم من أجل تحقيق أمن الأمة الإسلامية، وهذا الفرق كاف لاختلاف كل السياسات الخارجية بين الدولة العلمانية القومية والدولة الإسلامية. لذا فالفرق في قيمتين فقط، كاف لاختلاف كل السياسات الخارجية والداخلية. وبهذا يمكن القول: إن الفرق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية هائل، وإنه أكبر من أي تشابه، مما يجعل أي تشابه بينهما غير ذي معنى.

 

          ولكن البعض قد ينظر من زاوية مختلفة، ويرى أن الفرق بين الدولة العلمانية والإسلامية، ينحصر في بعض القضايا والسياسات والقيم، وهو بهذا المعنى ينحصر في بعض الأبعاد المحددة، ولا يشمل كل التفاصيل، فالدولة في النهاية هي الدولة، بكل أدواتها ومكوناتها وجهازها الإداري. ويمكن القول: إن الفرق بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية يكمن أساسا في القيم والسياسات، وهو فرق من حيث الكم ليس كبيرا، ولكنه من حيث الكيف هائل ونوعي وفارق. ولكن هذا لا يمنع من وجود تشابه بين  هياكل الدول أيا كانت مرجعيتها، ولكن هذا التشابه لا يكون تطابقا كاملا، وقد يكون مجرد تشابه في الشكل مع اختلاف المضمون.

 

          فمن يتأمل دور الدولة الإسلامية مقارنة بالدولة العلمانية القومية، يكتشف أن الدولة العلمانية مسيطرة ومهيمنة على المجتمع بصورة كبيرة، في حين أن الدولة الإسلامية لا تسيطر على المجتمع، بقدر ما تسيطر الشريعة الإسلامية عليه وتنظمه، فيصبح مجتمعا متماسكا قويا، من خلال التزامه بقواعد الشريعة الإسلامية، وينحصر دور الدولة في المهام المركزية والأمن وفرض القانون والسياسة الخارجية، دون أن تتمدد لتسيطر على حركة المجتمع. ففي حالة الدولة الإسلامية، يكون للمجتمع وللأمة دورهما في تحقيق النهضة. وكلما كان المجتمع قويا، لا يمكن تصور حالة سياسية تسيطر عليها الأحزاب السياسية بصورة تجعل النخب السياسية هي العنصر الفاعل في الحياة السياسية، والتي تفرض خيارتها على الناس لتختار بينها، بل سيكون المجتمع وقواه ومؤسساته الحية لهم دور كبير في تشكيل وتوجيه الرأي العام والتعبير عنه، بقدر قد يجعل للقوى والحركات الاجتماعية تأثيراً كبيراً على الأحزاب السياسية.

 

          كل هذا يعني وجود اختلافات في دور ومسؤولية الدولة، كما أن هناك اختلافات في قيمها، وبهذا يكون نموذج الدولة الإسلامية مفارقا لنموذج الدولة العلمانية. والفرق هنا أن جهاز الدولة في الحالة الإسلامية، ينتج منتجات وأدواراً غير ما ينتجه جهاز الدولة في الحالة العلمانية، رغم أن كل منهما يمثل جهازا إداريا. نعني من هذا، أن التشابه بينهما ليس مهما، حتى وإن كان ملحوظا، ولكن التشابه بينهما يعني أن أدوات الجهاز الإداري يمكن أن تتشابه، بما يعني أنه يمكن تحويل أدوات الجهاز الإداري للدولة العلمانية إلى أدوات لجهاز إداري في دولة إسلامية. وهذه هي النقطة المهمة، فالدولة العلمانية يمكن تحويلها إلى دولة إسلامية، بمعنى أن أجهزة الدولة العلمانية يمكن توظيفها لتنتج نظاما إسلاميا، بدون الحاجة لهدمها وبناء أجهزة أخرى لها. لذا يصبح التشابه بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية، كافيا لتحويل أي منهما للآخر، ولكن ليس كافيا لاعتبار أن الفرق بينهما محدود، وليس كافيا بالطبع لاعتبار أن أيا منهما يمكن أن يحقق غايات الآخر. فمن يقول إن الدولة العلمانية يمكن أن تحقق غايات الدولة الإسلامية أو جزءا مهما منها، يتجاهل حقيقة الاختلافات الهيكلية بينهما، ولكن هذه الاختلافات لا تعوق إمكانية تحويل الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية، إذا حكمتها نخبة إسلامية من خلال توافق وأغلبية مجتمعية وسياسية، واستطاعت مقاومة النفوذ الغربي، الذي سيحاول منعها من تحويل أي دولة علمانية إلى دولة إسلامية.

 

          تلك في تصوري مسألة مهمة، لأنها تعني أن الإصلاح التدريجي ممكن، ولكنه لا يعني أن الفرق بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية ضئيل. مما يعني أن العمل السياسي السلمي الإصلاحي لا يعني القبول ولو جزئيا بالدولة العلمانية، لأن هذا القبول يعني التنازل عن المشروع الإسلامي ولو جزئيا. وكل تنازل جزئي عن المشروع الإسلامي سوف يؤدي إلى تنازل نهائي عن المشروع الإسلامي، لأن هذا التنازل سيحدث بسبب الهيمنة الغربية، وخضوعا لها وتحالفا معها، مما يعني أن استعادة المشروع الإسلامي بعد ذلك ستكون مواجهة مع الدول الغربية. وكل تنازل ولو جزئي عن المشروع الإسلامي يفسد كل المشروع، لأنه مشروع متكامل غير قابل للتبعيض أو التجزئة، مثله مثل غيره من المشاريع، بما فيها المشروع العلماني. ومن يرى أن هناك مشروعا يمكن أن يكون علمانيا جزئيا وإسلاميا جزئيا، سيكتشف أن المحصلة النهائية ستكون علمانية. ولكن هذا لا يمنع من أن الدولة العلمانية قابلة للتغيير من داخلها، وأن هذا التغيير يمكن أن يصل لبناء دولة إسلامية. ومعنى هذا، أن هناك فرقاً بين التنازل وبين المرحلية. وتغيير الدولة العلمانية من داخلها ليس تنازلا، وليس من الضروري هدم الدولة العلمانية بالكامل، حتى يتم بناء الدولة الإسلامية، إلا في بعض الظروف الخاصة. ولكن العمل من داخل الدولة العلمانية القائمة وتغييرها، لا يعني أنها تتشابه مع الدولة الإسلامية، لأن ما بينهما من تشابه ليس له قيمة عملية

اسلام انلاين

 

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس