معماری
خانه ---> العربیة ---> دعوة و دعاة ---> خطاب السلفية من الدعوي إلى السياسي
بقلم: أ.د. خالد فهمي ليس صحيحًا أن ينشغل آحاد الأمة بما يسمى في عدد من الأدبيات التي تسعى إلى تهذيب النفس وتزكيتها- ورد حساب النفس في تطبيق عملي ظاهر للأثر الكريم الذي يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".ثم هم آحاد وجماعات تسقط من حساباتها الفكرية والعملية تطبيقات مبادئ هذا الأثر في حياتها العامة، وحركتها في المجتمع والناس.

خطاب السلفية من الدعوي إلى السياسي

خطاب السلفية خطاب السلفية من الدعوي إلى السياسي

بقلم: أ.د. خالد فهمي

ملاحظات على طريق الانتقال

من المحراب إلى الميدان

  (1) مدخل: لا يصح

ليس صحيحًا أن ينشغل آحاد الأمة بما يسمى في عدد من الأدبيات التي تسعى إلى تهذيب النفس وتزكيتها- ورد حساب النفس في تطبيق عملي ظاهر للأثر الكريم الذي يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".

ثم هم آحاد وجماعات تسقط من حساباتها الفكرية والعملية تطبيقات مبادئ هذا الأثر في حياتها العامة، وحركتها في المجتمع والناس.

 وهذه الورقة تطمح إلى رصد عدد من الملاحظات والعلامات على طريق تحوِّل الخطاب السلفي من الدعوي إلى السياسي، وهل صحيح أن ثمة تحولاً جليًّا يمكن أن يأخذ شكل الجمع بين المحراب بما هو علامة مميزة شكليًّا وجوهريًّا للخطاب السلفي؟.. والميدان- فضلاً عن كونه رمزًا لأعلى علامات الاشتباك مع الشأن السياسي في قمة تجلياته، وأرفع مستوياته؛ انتفاضة في وجه الاستبداد، وإطاحة برموز الفساد، واتجاه نحو تغيير جذري طامح لأوضاع مزرية ومأساوية كانت.

وهي في طموحها هذا سترتكب أمرًا تراه لازمًا وضروريًّا من مدخل النقد الذاتي، بما أن الإنسان المصري صاحب الهوية الأصيلة المستقرة لا يملك إلا أن يرى نفسه في أدنى الدرجات، متعاطفًا مع السلفية بما أنها تجلٍّ من تجليات التصور الإسلامي وفق مفهوم مجموعات من الناس، وفي أرفع الدرجات، ابنًا لهذه السلفية.. بلغ بره بها إرادة الإسهام في النصح لها، وبيان ما يفكر فيه العقل من أجلها؛ ترشيدًا لحركتها، ونصيحة لاهتماماتها، وما بين الأدنى والأعلى درجات كلها تستوجب تقديم هذه الملاحظات.

والنقد الذاتي هنا معناه على ما يقرر الدكتور خالص جلبي في كتابه (النقد الذاتي: ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، مركز الراية المعرفية، جدة سنة1428هـ=2007م ص 13): "إعلان الوعي العقلاني، والتعامل مع الأفكار كقيمة ذاتية، أو كوحدات موضوعية انفصلت فيها عن الشخصية"، ويقرر خالص جلبي مرة أخرى أنه لكي ينجح النقد الذاتي فإنه يلزمه وجوب التحرر من عالم الأشخاص لنتعامل مع الأفكار".

 

(2) خبرة سلفية لم تتراكم

ومن الحق أن نقرر أن ثمة أصواتًا كان من الممكن أن تمثل خبرة على طريق التحول الإيجابي من المحراب إلى الميدان في الخطاب السلفي, لو وجد رجالاً يتابعون دعمها, وتثميرها.

 ولنقف أمام تجربتين ظاهرتي الدلالة في هذا المقام الذي نتأمله, ونفحص الآثار السلبية لانقطاع السبيل به, وعدم التنبه إلى مواصلة السير فيه.

 

 التجربة الأولى: تتلخص في جهاد الإمام السلفي محب الدين الخطيب رحمه الله، الذي كان مثالاً ظاهرًا للاهتمام بما يفرضه المحراب من العناية بالعلامات الدالة سلوكيًّا ومعرفيًّا, ولكنها اختزلت في الأجيال المعاصرة فيا يلي:

أولاً: رعاية الهدي الظاهر, والسمت في السلوك العملي لأبناء السلفية.

 ثانيًا: رعاية صنوف العلم الذي يشيع بين السلفيين، المتمثل في بعض علوم النقل بطريقة تقليدية ظاهرة.

 

وقد انشغلت السلفية بعلم الاعتقاد من وجهة نظر بداياته المختلطة بالتحديث، فيما كان يسمى تاريخيًّا باسم كتب الإيمان، على ما نرى مثالاً له في كتاب الإيمان لابن منده، وانشغلت بعلم الحديث، ولا سيما جانب الرواية منه.

وربما تطور الأمر في وقت من الأوقات إلى الانشغال بعدد من العلوم الأخرى شرعية وعربية، وإن بدرجة مختلفة ليطال علوم القرآن، ولا سيما التفسير وأصوله، وبعض علوم العربية، ولا سيما النحو في عدد من مختصراته التعليمية المنتشرة.

 

 لقد كان الرجل صاحب تجربة اتسع تعاملها مع الهدي الظاهر، واتسع أمر رعايتها لعلوم كثيرة جدًّا، لم تقف عند حدود ترسخت العناية به فيما بعد.

 

لقد طالت عناية محب الدين الخطيب بالاعتقاد وبآفاقه الرحبة ليشتبك مع الفِرَق والملل والاتجاهات المنحرفة، والغزو الثقافي، وتوسعت عنايته بعلوم العربية المختلفة والمتنوعة فيما حققه ونشره من تراث لغوي وأدبي وتاريخي.

 

التجربة الثانية:تتلخص في بعض جهاد الدكتور مصطفى حلمي، ولا سيما في الجانب السياسي من جهاده العلمي، وخصوصًا في الدراسة الضافية التي قدم بها كتاب (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) لشيخ الإسلام/ مصطفى صبري.

وقد كانت هذه التجربة الثانية كفيلة إذا ما ضمت إلى التجربة الأولى أن تحلق بالخطاب السلفي في أجواء الشمول الجامع بين الدعوي والسياسي وما بينهما من آفاق.

 

أقول هذا وفي ذهني ما يلي:

أولاً: العلاقات الاجتماعية والحركية التي ربطت بين صاحب التجربة الأول، محب الدين الخطيب، وبين ساسة زمانه، وقادته وأعلام الحركة الإسلامية من مثل: حسن البنا تعيينًا.

 

 

ثانيًا: ما توافر في دراسة مصطفى حلمي من الإلحاح على عدم جواز فصل الدين عن السياسة، التنبه إلى قمة المشروع الإسلامي المعاصر الطامح إلى أستاذية العالم بلغة أدبيات الإخوان المسلمين، الذي تشكَّل حول فكرة استعادة الخلافة، بما هي إجراء محقق لهذه السيادة أيام كان شكلها الذي تسمح به الظروف الراهنة،على ما يظهر من إفاضة المفكر العظيم عبد الرازق السنهوري، رحمه الله.

 

 كانت هاتان التجربتان كافيتين- لو تراكم حولهما ما يرقى بهما ويجذرهما في تربة الخطاب السلفي- أن يتطورا بخطابه؛ ليجمع في يسر وسلاسة ومنطقية بين ما تمليه ثقافة المحراب (الدعوي) وما تفرضه ثقافة الميدان (السياسي) معًا من ضبط الحركة، وترشيد اضطرابها المتهمة به السلفية اليوم.

 

 أقرر ذلك وعندي علامات دالة على معرفة الحركة السلفية بجهاد التجربتين، وأذكر هنا أن الرمز السلفي الإسكندري الدكتور محمد بن إسماعيل المقدم، قدم لطبعة حديثة من كتاب مصطفى حلمي، وهو (الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية) وهو دراسة لنص كتاب الإمام مصطفى صبري، وتحقيقه، لكنها معرفة وقفت عند حدود الإلمام لا الإدراك، وعند حدود الرصد لا التفعيل.

 

 (3) مسوغات التراجع

  والحق أن قراءة الخطاب السلفي الذي تراجع عن استثمار المنجزات، أمثال هاتين التجربتين، ربما تقود إلى الوقوف أمام عدد من المسوغات يبدو مع بعضها أنه محل عذر لأبنائه، وفيما يلي محاولة لجمع مسوغات هذا التراجع، والانكفاء على الذات، والانحباس في المحراب، لدرجة ربما وصلت إلى ما عبرت عنه من قبل بلغة لا تخلو من قسوة ظاهرة بقولي: إن التزام المحراب وصل ببعض خطابات السلفية أن تكون بمثابة دعوة علمانيين خلف المحراب، على ضوء ما بدر من بعض رموزها في أحداث الاعتداء على غزة في يناير 2010م.

 

 أولاً: قسوة الظروف في ظل المرحلة السابقة؛ بسبب عنف النظام المستبد الذي كان قبل ثورة 25 يناير.

 

ثانيًا: انتعاش فقه منع الخروج على الحاكم، وعزله، وتقويم حركته المنحرفة، في تنزيل خاطئ لظروف النظام السياسي الإسلامي في القرون الأولى على ظروف العصر الحديث في مرحلة حكم النظام السابق.

 

 ثالثًا: تشتت الخطاب السلفي تشتتًا ظاهرًا.

 

 رابعًا: تنامي تقدير الالتزام بعمل الشيخ في تطوير غير إيجابي لعلاقة المريد بشيخه في الأدبيات الصوفية، وإن كانت من دون وعي بطبيعة الحال في داخل الخطاب السلفي.

 

 (4) هل ثمة أمل في انفتاح طاقات النور؟

والحق أن باب الأمل في انفتاح طاقات النور أمام الخطاب السلفي؛ ليكون مع التيارات الإسلامية التي تتبنى الالتزام والدعوة والحركة بالإسلام الشامل اجتماعًا على نقاط الاتفاق، ومراعاة الثابت في خندق واحد- باب واسع جدًّا.

 وأرى أن الطريق ميسورة، وبآليات يمتلكها الخطاب السلفي امتلاكًا واعيًا، ربما مع قدر من التطوير الممكن.

 

وأتصور أن المنارات المرصودة على طريق الأمل هذا كامنة في المحاور التالية:

 

أولاً: تثوير مفاهيم توحيد الإلوهية؛ بمعنى استثمار تربية التيار السلفي على هذا الأصل المعرفي الثابت في إذكاء عدم الخضوع، وإذكاء مقاومة كل أشكال الاستبداد، والاجتماع على رفض كل أشكال الديمقراطية المفضية إلى تهميش الشريعة، أو إسكات صوتها من بوابة مناهضة عبادة الأرباب، التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم في وجه أصحاب الملل السابقة على الإسلام، عندما قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن من معاني عبادة الأرباب من دون الله سبحانه يمكن أن يكون مدخله التشريع وسن القوانين.

 

 ثانيًا: تثوير توحيد الربوبية، بمعنى الانتقال من الاعتقاد القلبي، ومن التصديق بالمنعم سبحانه، إلى أجواء الدلالة على ربوبيته ببذل الخير والبر للناس، بما هو مدخل لربطهم بالرب تعالى، وهو الباب العظيم الدال على عمق العمل السياسي في التصور الإسلامي في تطبيقات جيل الدعوة الأول، الذي برهن على تفضيل العمل الميداني (السعي في خدمة الخلق) على التعبد المحرابي (متمثلاً في الاعتكاف) وهو ما ظهر في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وعمله، وعمل الصحابة من بعده.

 

ثالثًا: الإفادة من المراجعات الفكرية لقطاع من الإسلاميين الذين تحولوا إلى التطبيقات السلمية للفكرة الإسلامية في الواقع المعاصر.

 وقد وُفِّق فهمي هويدي عندما قرر أن أهم إيجابية في تحول الخطاب السلفي إلى الميدان يظهر في تبنيه الخيار السلمي للتغيير، وهو ما يرشحه لتنامي تطبيقات سلمية التغيير.

 

رابعًا: ضرورة تطوير آلية التعامل مع مفهوم طاعة أولي الأمر، وتقدير ضوابطها.

هذه المنارات الأربعة يمكن أن تمثل طريقًا واضحة للتحول الآمن في الخطاب السلفي من المحراب إلى الميدان جمعًا بين المحورين، وليس انتقالاً من المحراب، بما يقتضي مفارقته، وإنما بِوَصْله ودعمه وترشيده وتوجيهه للحركة في الميدان.

 

 (5) من يعين الخطاب السلفي؟

وهناك أيادٍ ممتدة يمكن أن تعين وتساعد الخطاب السلفي على هذا الانتقال الجامع بين المحورين، يمكن إجمالها فيما يلي:

 

أولاً: البدايات والتراكمات في الخطاب السلفي نفسه المهمومة بالعناية بالتأصيل السياسي لمشكلات الأمة المسلمة، في أعمال من مثل: محب الدين الخطيب ومصطفى حلمي.

 

ثانيًا: توافر الحديث عن (الحرية) بما هي مقصد كلي عند علماء الأصول المعاصرين الذين تصدوا لفعل الاحتلال، وللاختلالات الناتجة عنه، من أمثال الطاهر بن عاشور، وعلال الفاسي وغيرهما.

 

 ثالثًا: توافر تيار علمي ممتد يتناول السيرة والتاريخ النبوي من زاوية حركية سياسية، ولا سيما جهاد منير الغضبان في هذا الميدان.

 

رابعًا: التراكم الحي لعمل حركات المعارضة الإسلامية في البلدان الإسلامية المعاصرة في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.

 

 (6) القرآن يفسره الزمان

واستثمارًا للارتباط الدافئ بين التيار السلفي وكتاب الله تعالى يمكن أن نقرر أن الخطاب السلفي في حاجة ماسة إلى التحول نحو تدبر الذكر الحكيم من باب حضاري، خاصة في ظل ما أثر عن ابن عباس من قوله: "إن القرآن يفسره الزمان"؛ بمعنى أن القرآن الكريم يهب كل عصر احتياجاته ومطالبه.

وفي الذكر الحكيم أصول متوافرة من قسمه المكي تراعى التحول في الخطاب السلفي؛ ليجمع بين أفكار المحراب وعلومه وآدابه وهديه وسمته وبين عمل الميدان وحركة السياسة، والاشتباك مع الواقع، وفيما يلي بعض من هذه الأصول أذكرها للتأمل والمدارسة.

 

أولاً: إلحاح القرآن المكي على محور تأمين حياة الإنسان المادية والروحية، لدرجة أنني أقرر أن الله سبحانه لم يأمر بعبادته (توحيد الألوهية) إلا بعد تأمين طعام قريش، وتأمين نفسها، ألم يقل تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)) (قريش)؛ بل أزيد فأقرر أن الله يشير إلى أن الانشغال بالعمل السياسي على تأمين حياة الناس سبيل لترسيخ قضية التوحيد بما هي أسنى مقاصد الرسول والرسالة جميعًا.

 

ثانيًا: إلحاح القرآن المكي على محور ترقية الحياة الإنسانية ماديًّا وأخلاقيًّا.. ألم يقل سبحانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)) (الضحى)؛ لدرجة يمكن القول معها: إن الله سبحانه لم يبعث نبيه إلا بعد تمام الإيواء والاهتداء والإغناء، بما يندرج تحتها جميعًا من تفصيلات دقيقة ترسي السكن والملبس والتعليم والتوظيف.

 

الخطاب السلفي يملك طاقات هائلة لا ينكرها أحد؛ شريطة أن يعترف بقدر من التقصير، ولو بسبب قبول الانضغاط تحت قهر الظروف السياسية السابقة؛ وشريطة أن تقدر رجالاته الكبرى جهاد الذين لم ينضغطوا مثلهم ويتراجعوا أسرى للمحراب فقط.

وإلا فإن المصير مرعب ومروع، ويؤذن بالتلاشي والغياب.

————-

* كلية الآداب- جامعة المنوفية

مصدر: اخوان انلاين

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

تلگرام نوگرا »»» مطالب سایت + عکس + کلیپ + نوشته های کوتاه متنوع + با ما همراه باشید . eslahe@

قالب وردپرس