المقالات

وحده

وحده

حسن البنا

وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِیحُکُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِینَ

أعتقد أن سلفنا الصالحین رضوان الله علیهم وصلوا إلى ما وصلوا إلیه من سعاده فی الدنیا، ومثوبه فی الآخره ، سجلها لهم الحق تبارک وتعالى فی کتابه بقوله : (فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْیَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَهِ) (آل عمران:۱۴۸) ، بأمرین اثنین أساسیین:

أولهما: قوه إیمانهم بالله تبارک وتعالى وحسن اعتمادهم علیه ، وجمیل استمدادهم منه واستنادهم إلى تأییده وأملهم فی نصره واعتزازهم بهذه العزه الربانیه المستمده من هذا الإیمان: (وَللهِ الْعِزَّهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ) (المنافقون:۸) ، فکان أحدهم إذا تکلم أو عمل أو جاهد أو اغترب أو أقام شعر بأن الله معه أینما کان یراه ویراقبه ویحفظه ویؤیده (وَمَا تَکُونُ فِی شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا کُنَّا عَلَیْکُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِیضُونَ فِیهِ وَمَا یَعْزُبُ عَنْ رَبِّکَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّهٍ فِی الأَرْضِ وَلا فِی السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِکَ وَلا أَکْبَرَ إِلا فِی کِتَابٍ مُبِینٍ) (یونس:۶۱).

وثانیهما: شده تماسک بنیانهم وقوه رابطه جماعتهم ، قوه أساسها صفاء القلوب ونقاء السرائر وتقدیر معنى الوفاء والشعور بقدسیه الأخوه وإشراق القلوب بمشاعر الحب فی الله إشراقا سما بها إلى معنى الإیثار: (وَالَّذِینَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِیمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ یُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَیْهِمْ وَلا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمْ حَاجَهً مِمَّا أُوتُوا وَیُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ کَانَ بِهِمْ خَصَاصَهٌ) (الحشر:۹) , حتى کان الرجل منهم یؤثر أخاه بماله وأهله وقوته وحیاته وکل ما یمتلک.

بهذین المعنیین انتصر هؤلاء النفر من السلف الصالحین مع قله عَددهم ، وضعف عُددهم وتجردهم من کل عوامل المنافسه لغیرهم ممن کانوا أوسع منهم سلطانا وأکثر أموالا وأوسع عمرانا ، ولکن الإیمان والحب هما ولا شک أقوى عُدد النصر وهکذا کانوا، وصدق الله العظیم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِیمَاهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِکَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَمَثَلُهُمْ فِی الأِنْجِیلِ کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ یُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ الْکُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَهً وَأَجْراً عَظِیماً) (الفتح:۲۹).

ولقد کنت ولا زلت أقول للإخوان فی کل مناسبه: إنکم لن تغلبوا أبدا من قله عددکم ، ولا من ضعف وسائلکم ولا من کثره خصومکم ولا من تأبى الأعداء علیکم ولو تجمع أهل الأرض جمیعا ما استطاعوا أن ینالوا منکم إلا ما کتب الله علیکم ، ولکنکم تغلبون أشد الغلب وتفقدون کل ما یتصل بالنصر والظفر بسبب إذا فسدت قلوبکم ولم یصلح الله أعمالکم أو إذا تفرقت کلمتکم واختلفت آراؤکم ، أما ما دمتم على قلب رجل واحد متجه إلى الله تبارک وتعالى ، آخذ فی سبیل طاعته ، سائر نهج مرضاته فلا تهنوا أبدا ولا تحزنوا أبدا وأنتم الأعلون والله معکم ولن یترکم أعمالکم.

وهل هناک من أزمه حقیقیه فی موقعنا الوطنی الحالی إلا أزمه النفوس ووهن القلوب واختلاف الأهواء ، وتفرق الآراء؟ وهل کنا نطمع أن یتقدم الإنجلیز أو غیر الإنجلیز بحریتنا واستقلالنا وحقوقنا فی أطباق من الذهب والفضه ونحن عنها نائمون ، وفى وسائل الوصول إلیها متفرقون مختلفون؟

لابد من جهاد طویل مریر شاق متواصل ، ولن یکون هذا إلا بوحده کامله وأخوه شامله وشعور جامع بضم القلوب إلى القلوب والجهود إلى الجهود , واستقامه مع ذلک على مناهج الحق واتجاه سلیم صحیح إلى معالم الخیر , ویوم یکون هذا فلن تقف عقبه واحده فی طریقنا ولابد أن نصل فی أقرب وقت بإذن الله إلى حقنا . إیمان وحب .. تتألف منهما وحده حقیقیه هی أشد ما نحتاج إلیه الآن .. فهل إلیها من سبیل ؟

اللهم ألهمنا الرشد , ووفقنا واهدنا , وأنت نعم المولى ونعم النصیر

حسن البنا

برچسب ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

پاسخ دادن معادله امنیتی الزامی است . *

دکمه بازگشت به بالا
بستن